تلمسان.. لؤلؤة المغرب العربي عاصمة الثقافة الإسلامية 2011

تلمسان.. لؤلؤة المغرب العربي عاصمة الثقافة الإسلامية 2011

يصادف تاريخ 16 نيسان من هذا العام الافتتاح الشعبي لتظاهرة تلمسان عاصمة للثقافة الإسلامية 2011 والتي ستشكل فرصة ثمينة للتبادل الثقافي والحوار مع الآخر.

ولا سيما في هذه الفترة العصيبة التي تمر بها الأمة العربية والإسلامية. كما تعدّ هذه التظاهرة إعادة بعث للإبداع الفني والثقافي عند المبدعين الجزائريين في جميع مجالات الفن والثقافة والفكر. ويتضمن برنامج التظاهرة تنظيم اثني عشر ملتقى حول موضوعات متعددة إضافة إلى تنظيم مؤتمر وزراء الثقافة للدول الأعضاء في المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة الإسيسكو، كما ستحفل التظاهرة بنشاطات ثقافية بتباين بين المهرجانات وعشرة معارض للكتاب والأدب ومئتي حفل موسيقي بمشاركة ألف فنان، ناهيك عن السينما حيث سيتم إنتاج ثمانية وأربعين فيلماً وثائقياً وتسع عشرة مسرحية والأهم من هذا وذاك إصدار طبعة مرموقة بزخرفة فاخرة للقرآن الكريم مصحف الرودوسي الذي يعود إلى بداية القرن العشرين بالخط المغاربي.

لكن لماذا تلمسان؟!
تسمى تلمسان «جوهرة شمال إفريقيا» و«لؤلؤة المغرب العربي» و«غرناطة إفريقيا» مدينة تجمع بين عبق التاريخ العريق وعاصمة المنطقة، التي أنجبت رئيسين للجزائر، هما أول رئيس للجمهورية الجزائرية الرئيس الأسبق أحمد بن بلة، والرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة، كما أنجبت زعيماً آخر شهوراً في الحركة الوطنية الجزائرية يدعى مصالي الحاج، وفنانين مشهورين، وخصوصاً في الغناء الأندلسي وكتّاباً وأدباء، لعل أشهرهم «شهاب الدين المغربي» في القرن السادس عشر وفي العصر الحديث الكاتب الكبير الراحل «محمد ذيب» الذي رُشح أكثر من مرة لجائزة نوبل للآداب.
وتلمسان من مراكز الإشعاع الحضاري التاريخية المعروفة في المنطقة العربية، ومصدر فخر كبير لأبنائها الذين توزعوا عبر التاريخ في مناطق مختلفة من المنطقة العربية وخصوصاً في شمال إفريقيا، حيث ينتشر لقب التلمساني، فإلى جانب الجزائر، فلقب التلمساني في دول أخرى كالمغرب وتونس ومصر.
تقع تلمسان في شمال غربي الجزائر، وتعتبر ثاني أهم مدينة في الجهة الغربية للجزائر بعد مدينة وهران وتبعد بأقل من 100 ميل عن الحدود الجزائرية المغربية وتحتل تلمسان موقعاً استراتيجياً جعلها عبر التاريخ مركزاً رئيسياً وعاصمة للدول والممالك المتعاقبة حيث تقع تلمسان على هضبة تحيط بها أشجار الزيتون والكروم ورغم قربها من البحر الأبيض المتوسط ما جعلها أيضاً مركزاً اقتصادياً وتجارياً مهماً، فإن ارتفاع تلسمان بأكثر من 800 متر عن سطح البحر جنبها التعرض للرطوبة وجعل مناخها جافاً، وهواءها عليلاً وبحكم مناخها فإن تلمسان حارة في الصيف وباردة في الشتاء وقد تشهد حتى تساقط الثلوج.
وقد أصبحت تلمسان واحدة من أهم الحواضر الإسلامية، وخصوصاً في المغرب الإسلامي بعد الفتح الإسلامي في القرن الثامن الميلادي، وظلت المدينة مركزاً مهماً أو عاصمة للكثير من الدويلات الإسلامية، ولعل أشهرها حكم المرابطين وحكم بني زناتة، الذي بدأ عام 1282م وامتد ثلاثة قرون، وهناك أيضاً حكم الدولة الإدريسية والموحدين والمرينيين، وإذا كانت تلمسان تشتهر اليوم بأنها إحدى مدن الفن الأندلسي في الجزائر، وإحدى مدارس الغناء الأندلسي في البلد، وخصوصاً ما يسمى مدرسة الغرناطي «نسبة إلى مدينة غرناطة» وكذلك الحوزي، فذلك يرجع أساساً إلى استقرار مئات الآلاف من سكان الأندلس، خصوصاً من مدينتي غرناطة وقرطبة الذين فروا إلى تلمسان بعد سقوط الأندلس سنة 1492م في أيدي الإسبان، وفي عام 1844م سقطت المدينة في قبضة الاستعمار الفرنسي إلى غاية استقلال الجزائر عام 1962م واصلت تلمسان دورها كأحد مراكز الإشعاع الثقافي والحضاري في الجزائر المستقلة، حيث تعتبر جامعة تلمسان من أهم الجامعات في الجزائر وقد تم اختيارها أفضل جامعة في البلاد مؤخراً.
والمدينة هي العاصمة الإدارية لولاية تلمسان التي يبلغ عدد سكانها نحو مليون نسمة وتضم اثنتي عشرة دائرة وثلاثاً وخمسين بلدية.
وإذا ما أسعفك الحظ وكنت من المدعوين للاحتفال بمدينة تلمسان فماذا تزور؟
تتوفر تلمسان على شواهد تاريخية مهمة جعلتها متحفاً مفتوحاً، من بينها المدينة القديمة المحاطة بالأسوار، وتزخر المدينة بالكثير من المعالم الإسلامية من بينها عدد من المساجد الجميلة العتيقة كالجامع الكبير وجامع سيدي بلحسن، كما تتوفر على أضرحة ومزارات، لعل أشهرها ضريح الولي الصالح سيدي بومدين، ومن أبرز المعالم أيضاً الآثار المتبقية من مدرسة التشفينية التي بنيت في القرن الثالث عشر الميلادي والتي تعتبر أول جامعة في المغرب العربي.
وتشتهر تلمسان بصناعاتها التقليدية وصناعة المفروشات والسجاد والجلود والمنسوجات الصوفية والحريرية والقطنية، والتي أبرزها ابن المدينة الكاتب الجزائري الراحل «محمد ذيب» خصوصاً في رواية «النول» الشهيرة وتتميز تلمسان بصناعة ملابسها التقليدية الجميلة، وخصوصاً لباس العرائس. وقد مدح الشاعر الجزائري الكبير ومؤلف النشيد الوطني «مفدي زكريا» تلمسان قائلاً:
تلمسان مهما أطلنا الطوافا إليك تلمسان ننهي المطافا
وربما ليس هناك موقع أفضل من هضبة «لالة ستي» من رواية تلمسان والتمتع بجمالها، حيث توفر الهضبة نظرة بانورامية بديعة للمدينة المترامية الأطراف التي تمتد على مساحة تقارب عشرة كيلومترات مربعة ويمكن الوصول إلى هضبة «لالة ستي» عبر مصعد هوائي «تلفريك» من وسط المدينة وتتوفر الهضبة على مرافق سياحية وترفيهية، وإذا ما اشتهرت تلمسان بكونها إحدى عواصم الغناء الأندلسي التراثي القديم فإنها أيضاً لعبت دوراً كبيراً في الغناء العصري، وخوصاً لون الراي عبر ابني المدينة الشقيقين رشيد وفتحي بابا أحمد اللذين يعتبران من رواد الأغنية العصرية للجزائر بعد الاستقلال، سواء ملحنون ومغنيون أم منتجون وحيث يعتبران رواد التسجيل العصري للأغاني، وفق أوائل من أدخلوا الآلات الغنائية الحديثة لأغاني الراي، التي سجلت في استوديوهاتها بتلمسان.
وإلى جانب جمال الطبيعة الخلاب في تلمسان وسهولها الخضراء، وخصوصاً أثناء فصل الربيع، فإنها تحتوي على ينابيع طبيعية للعلاج بالمياه الطبيعية الساخنة، ومن أشهرها محطة حمام شيغر للعلاج بالمياه المعدنية وحمام بوغرارة، كما تضم المدينة «شلالات لوريط» البديعة بمياهها العذبة، وبضواحي تلمسان أيضا مغارات باهرة الجمال وأماكن جميلة مثل المنصورة، ودائرة ندرومة التابعة لها والتي تحتوي على الكثير من المعالم التاريخية الإسلامية كما أنها كانت أيضاً مركزاً لاستقرار الكثير من العائلات الأندلسية التي فرت من الأندلس بعد استيلاء الإسبان عليها، ولهذا فهي أيضاً أحد مراكز الفن الأندلسي سواء في الصناعات اليدوية أو الغناء الأندلسي، إذاً ستكون تلمسان عاصمة ثقافية إسلامية تستحق أن تكون قبلة المثقفين والمفكرين المبدعين بحق.

هبة الله الغلاييني

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s