حوار مع وزير الاتصال المغربي الأسبق محمد العربي المساري حول العلاقات الإسبانية المغربية: “ظلال التاريخ الاستعماري في المغرب ما تزال حاضرة”

حوار مع وزير الاتصال المغربي الأسبق محمد العربي المساري حول العلاقات الإسبانية المغربية:
“ظلال التاريخ الاستعماري في المغرب ما تزال حاضرة”

تعتبر العلاقات المغربية الإسبانية أحد مفاتيح التقارب الأوروبي العربي، غير أن هذه العلاقات شهدت في الآونة الأخيرة سلسلة من الأزمات المتوالية، كان آخرها اعتقال المغرب لناشطين أسبان تظاهروا في الصحراء الغربية وإعراب الحكومة الاسبانية رسميا عن قلقها من الوضع. في هذا الحوار الخاص مع ريم نجمي يشرح الخبير في العلاقات المغربية الاسبانية ووزير الاتصال المغربي الأسبق محمد العربي المساري، خلفيات الأزمة المغربية الاسبانية الحالية وارتباطها بتاريخ البلدين المتداخل.

“بعض الشوفينيين يعتبرون هجرة المغاربة إلى اسبانيا ستقلب الميزان الديموغرافي”أستاذ محمد العربي المساري، الملاحظ في السنوات الأخيرة توالي أزمات متعددة بين المغرب واسبانيا، أستحضر على سبيل المثال أزمة جزيرة “تاورا ” وزيارة العاهل الاسباني لمدينتي سبتة ومليلية محل الخلاف المغربي الاسباني، وصولا إلى الأزمة الحالية. لماذا هذا التذبذب في العلاقات خاصة في السنوات الأخيرة؟

محمد العربي المساري: كل هذه الإشارات التي تفضلت بها تتعلق بشيء واحد وهو الملف الترابي، لأن هناك خلافا ترابيا مازال قائما: اسبانيا في زمن قوتها وامتدادها الكبير بعد طرد العرب من الأندلس، احتلت كثيرا من النقط في المغرب: اكادير، العرائش، أصيلة… تمكن المغرب من استرداد الكثير من هذه النقط، لكن بقيت مدينتي سبتة ومليلية، وهذا ملف عمره 500 سنة و يؤثر تأثيرا سلبيا في العلاقات ما بين الدولتين، ولهذا نشأ الخلاف مع حكومة “أثنار” حينما تمت محاصرة جزيرة “تاورا” و جاءت مشكلة زيارة الملك الاسباني لمدينتي سبتة ومليلية، فتعددت الاصطدامات بسبب أن الأسبان لم يتحرروا بعد من الوهم الاستعماري ولم يتخلصوا دفعة واحدة من الملف الاستعماري كما فعلت فرنسا. الأسبان مازال لديهم تيار قوي يرنو إلى اسبانيا العظيمة التي كانت تحكم البحار كلها والشمس لا تغيب عن ممتلكاتها من الفيليبين إلى البيرو. طبعا إلى جانب مظاهر أخرى تتسبب في خلق المشاكل…

ما هي هذه المظاهر الأخرى؟

المساري: مثلا اتفقنا مع الاتحاد الأوروبي على تصدير 140 ألف طن من الطماطم ،الاسبان يعتبرون هذا الاتفاق كارثة بالنسبة لهم ويجب تخفيض كمية الطماطم المستوردة من المغرب. نحن في المقابل نقول إن هذه الكمية حُددت حينما كان الاتحاد الأوروبي يتألف من 12 دولة، الآن الاتحاد يتألف من 27 دولة. إذاً يجب أن نُدخل هذا الحساب الجديد في الاعتبار. كذلك حينما أنشأ المغرب ميناء ” طنجة المتوسط” وهو ميناء له مؤهلات طبيعية ومنفتح على المضيق، اعتبر الأسبان أن هذا أكبر خطر عليهم لأن هذا الميناء وبالأرقام يساوي رواجه الرواج الذي تحققه سبع موانئ أندلسية، وبالتالي ستصبح هذه الموانئ فارغة. كذلك بعض الشوفينيين يعتبرون هجرة المغاربة إلى اسبانيا ستقلب الميزان الديموغرافي. هذه كلها مظاهر تنتج عنها اصطدامات بين الفينة والأخرى تُلزم الدولتين بحل المشاكل في حينها.

هل هذه الاصطدامات بين المغرب واسبانيا، تضر بالعلاقة بين الاتحاد الأوروبي والمغرب ؟

“ملف مدينتي سبتة ومليلية عمره 500 سنة و يؤثر تأثيرا سلبيا في العلاقات ما بين المغرب وإسبانيا”

المساري: لا أبدا ، أنا كتبت مرارا أن تطور العلاقة بين المغرب والاتحاد الأوروبي سيغمر العلاقات المغربية الاسبانية، لأن الحديث بين الرباط وبروكسل هو حديث عقلاني مبني على الحسابات والمثال على ذلك حينما كان هناك ملف الصيد البحري موضوع تفاوض بين المغرب واسبانيا، طُرحت الكثير من المشاكل والتعقيدات. وحينما بدأنا نتحاور مع بروكسل في ملف الصيد البحري أصبح المشكل يُطرح في إطار الحسابات: ماذا يدفع المغرب وماذا يدفع الاتحاد الأوربي وتحديد الحصص. هكذا كلما ازدادت الأجهزة الأوروبية تطورا وأصبح الاندماج الأوروبي ناضجا تلاشت المشاكل بين اسبانيا والمغرب، لأن العلاقات ستصبح مغمورة بمنطق الحسابات. “ايما بونينو” مندوبة الاتحاد الأوروبي كانت تقول:” إن هذه المياه مياه مغربية والسمك سمك مغربي والسمك يتضاءل ومن حق المغرب أن يحمي ثروته السمكية ونحن من مصلحتنا أن يصون المغرب ثروته لأننا في يوم ما سنحتاج تلك الثروة”. إذاً هذا النوع من التعامل العقلاني مع المشاكل غمر العلاقات المغربية الاسبانية. الاتحاد الأوروبي مكون من 27 دولة وجل هذه الدول تربطها بالمغرب علاقات ودية ولها سياسة إيجابية تجاه المغرب و اسبانيا جزء من هذه الدول السبعة والعشرون.

هناك رأي سائد بأن الحكومات الاشتراكية الاسبانية لها تعاملات ايجابية مع المغرب أكثر من الحكومات اليمينية هل هذا الرأي صحيح ؟

المساري: هناك جانب من الصحة لأن اليسار في أوروبا خلال القرن العشرين كان رائدا للكثير من الإصلاحات الأوروبية. اليسار مؤهل لكي ينظر إلى الأمور بعقلية كارتيزانية وبانفتاح أكبر بينما اليمين تحركه العقد. اثنار مثلا رئيس الحكومة اليمينية السابق يقول إن مشكلتنا مع الإرهاب بدأت منذ سنة 711م أي منذ مجيء طارق بن زياد للأندلس وهذا شيء مضحك، لكن هناك بعض السياسيين لا يعتبرون ذلك مضحكا بل يعتبرونه نوعا من السياسة، فاليمين مليء بالعقد واليسار منفتح، لكن له عقده كذلك فنحن في تاريخنا الخاص من أسوأ الفترات في فترة الحماية الفرنسية على المغرب هي لما تولى اليسار الحكم في فرنسا. لكن بعد ذلك وقع تطور مهم ووجدنا أن اليسار كانت له سياسات إيجابية في ميدان حقوق الإنسان وفي ميدان العمالة التي أدركها المهاجرون في عهد “ميتران” في فرنسا. الانفتاح الذي وقع في دول أوروبية مختلفة كهولندا وبلجيك كان على عهد اليسار. في اسبانيا يظهر ذلك أيضا، فحينما تكون هناك حكومة يسارية نكون في المغرب مرتاحين أكثر خصوصا بالنسبة لطبيعة الحوار الذي يكون متحضرا بينما اليمين يرجع إلى عقد الماضي.

بالمناسبة قام رئيس الحكومة اليمينية السابق خوسيه ماريا اثنار بزيارة لمدينتي سبتة ومليلية في ظل الأزمة الأخيرة رغبة منه في استغلال الموقف سياسيا كما قالت نائبة رئيس الوزراء الاسباني ماريا تيريزا فرنانديث ، كيف ترى هذه الخطوة ؟

“تصور إثنار أنه قام بالرد على طارق بن زياد حينما تحرك لطرد ثمانية من الدرك المغربي وحرك من أجل ذلك الأسطول الاسباني كله”

المساري: هذا التصرف لم يكن له أي أثر.أولا المغاربة يعرفون هذا الرجل لأنه هو الذي خلق مشكلة جزيرة “تاورا” وتصور أنه قام بالرد على طارق بن زياد حينما تحرك لطرد ثمانية من الدرك المغربي وحرك من أجل ذلك الأسطول الاسباني كله، وكأن نابليون يتحرك. لكن الطرح اليميني له وقع في الرأي العام الاسباني لأن الاسبانيين معتادون على العيش وحدهم في بلادهم، فاسبانيا منذ خمسة قرون فيها ديانة واحدة وهي الكاثوليكية ولغة واحدة هي القشتالية. زيادة على أن اسبانيا منذ 500 سنة تصدر اليد العاملة إلى أمريكا اللاتينية. فجأة تغير هذا الوضع وأصبح على اسبانيا لكي تندمج في أوروبا أن تأخذ بالتعددية الدينية والتعددية اللغوية والثقافية وتعترف بالواقع الكتالوني والباسكي وهذا ينسحب على رؤيتها للعالم. والذي وقع هو أن الأسبان تتحرروا من الكثير من العقد التي ورثوها عن التاريخ وفهموا أن اسبانيا يجب أن يكون فيها عمال أجانب بعد أن كانوا يحتكون بالأجنبي كسائح يأتي ويترك سلة من الدولارات ويذهب. ومنذ سنة 1975 إلى الآن تطور الاقتصاد الاسباني وأصبحت اسبانيا في حاجة إلى يد عاملة وأصبح الأجنبي مقبولا ويحتك مع الاسباني في الحياة اليومية .إذاً الأسبان تهذبوا كثيرا فيما يتعلق بالكراهية للأجنبي، إلا فيما يتعلق بمشاعر الشارع الاسباني اتجاه المغربي.

وما هي أسباب هذه المشاعر السلبية تجاه المغربي؟

المساري: لأن هذا المغربي 800 سنة هو الذي كان يأتي للأندلس لنصرة المسلمين، هو نفسه الذي كان يحكم اسبانيا (نصف اسبانيا كان يحكمها الموحدون وقبلهم المرابطون). هذا المغربي مازال يثير لدى الاسباني رجل الشارع المخاوف من عودة” المورو”كلمة تحقيرية يستعملها الأسبان و المقصود بها المغاربة). حين أعيد طرح مشروع الربط القاري بين اسبانيا والمغرب عبر مضيق جبل طارق كان الاختيار إما بين قنطرة أو نفق تحت البحر. في ذلك الوقت تكلم المهندسون والاقتصاديون والمثقفون…و كتب مؤرخ اسباني لامع وهو “كلاوديو سانشيث البرنوث” كتب يقول إنه متحفظ جدا من هذا المشروع لأن الربط القاري سيجعل هناك ممرا يابسا وهذا يمثل خطورة، فهؤلاء القوم وفي الوقت الذي لم يكن بيننا ممر يابس غمرونا هنا في اسبانيا، فكيف نتيح لهم ممرا يابسا يأتون منه من طنجة إلى الجزيرة الخضراء بعد ربع ساعة !؟ وكتب بشراسة ضد هذا المشروع وهو رجل عظيم ومؤرخ كبير وكان وزير ثقافة سابق في العهد الجمهوري وكان رئيسا للدولة في المنفى. إذاً بسهولة يمكن إيقاظ تلك المشاعر المعادية للمغربي في اسبانيا .

اسمح لي أستاذ المساري أن نضع هذا “الكره التاريخي” جانبا، ألا ترى معي أن المهاجرين المغاربة يتحملون جزءا من المسؤولية بسبب بعض التصرفات المستفزة واللاأخلاقية التي يقومون بها في اسبانيا، بل وفي أوروبا عموما؟

“الأسبان تتحرروا من الكثير من العقد التي ورثوها عن التاريخ وفهموا أن اسبانيا يجب أن يكون فيها عمال أجانب بعد أن كانوا يحتكون بالأجنبي كسائح يأتي ويترك سلة من الدولارات ويذهب”

المساري: نعم طبعا،هناك أشياء أنا صارحت بها المهاجرين المغاربة في العديد من المدن كألميريا و اشبيلية، لأنني أدرك أن هذا المغربي يأتي من قرية ليس فيها الماء الجاري من الصنبور، وليس فيها زر يضغط عليه ليشعل الضوء، بمعنى يكون ساكنا في قرية نائية ويسمع أن اسبانيا فيها عمل فيبيع بقرته ويأتي إلى اسبانيا وهي دولة تعيش في القرن الواحد والعشرين، فيها مصعد وفيها نظافة في الشوارع…ويتصرف هذا المهاجر كما كان يتصرف في قريته التي لا تتوفر لا على ماء صالح للشرب ولا على الكهرباء. ليست الأغلبية على هذه الشاكلة، لكن عدد كبير من المغاربة من هذا الصنف وهؤلاء يخلقون المشاكل مع السكان. لكن المشكل ليس هذا فقط، إلى جانب هذا هناك الكره الاسباني التاريخي تجاه المغرب.

هناك قيمة تاريخية مشتركة بين المغرب واسبانيا وهو الفيلسوف ابن رشد.هل تعتقد أن ابن رشد حاضر اليوم في العلاقات المغربية الاسبانية بفكره العظيم وعقلانيته؟

المساري: هذا شيء يلمس النخبة والنخبة المتطورة جدا والتي تتعالى عن مثل الأشياء التي تحدثتُ عنها قبل قليل وتخص رجل الشارع العادي. النخبة مدركة أن الزمن تغير وأن المغرب تغير وأن التحول الاقتصادي الذي يعيشه المغرب مفيد نافع لاسبانيا. النخبة السياسية كذلك مدركة لهذا الأمر بما فيها الحزب الشعبي اليميني، صحيح هو الآن في المعارضة وصوته مرتفع ضد المغرب، لكن حينما يكون في الحكم يتعامل بنظرة ايجابية تجاه المغرب لأنه يدرك أن المصلحة تقتضي ذلك، سواء المصلحة الاقتصادية أو المصلحة الإستراتيجية أو السياسية.ثم المغرب دولة من المنظومة الغربية، يستحيل أن تقبل دولة أوروبية المساس بمصالح المغرب الإستراتيجية، مثلا قضية الصحراء لا يوجد سياسي أوروبي يقبل أن يكون في الصحراء وجود لغير الدولة المغربية، لأن الصحراء تقابل أرخبيل الكناريس وهذا الأرخبيل مهم بالنسبة لأمن جميع دول الحلف الأطلسي وبالنسبة لاسبانيا على الخصوص.

وكذلك لا يمكن أن يقبل السياسيون الأوروبيون ومنهم السياسيون الأسبان بأن يتعرض الشريط الممتد من طنجة إلى داكار في نقطة منه إلى خلل، وبالتالي هناك رأي نهائي عند السياسيين الأوروبيين وهو أن المغرب دولة جوهرية بالنسبة للأمن الأوروبي في غرب المتوسط. لذلك ليس من قبيل الصدفة أن المغرب هو الدولة الوحيدة التي لها وضع خاص واستثنائي من خارج الحلف الأطلسي كحليف استراتيجي للاتحاد الأوروبي.

أجرت الحوار: ريم نجمي

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s