ذكرى مرور أربعة قرون على طرد الموريسكيين الإسبان من ديارهم

ذكرى مرور أربعة قرون على طرد الموريسكيين الإسبان من ديارهم

۞ في الرابع من نيسان (ابريل) الماضي تكون قد مرت أربعة قرون على ذكرى صدور أول قانون أسس للتصفية العرقية والدينية عبر التاريخ، إذ يتعلق الأمر بقانون طرد الموريسكيين الاسبان من ديارهم بعد أن عاشوا هناك قرابة عشرة قرون وشيدوا أحد أجمل وأرقى الحضارات الإنسانية، الحضارية.
ويسود الاعتقاد بأن الطرد قد حدث مع سقوط مملكة غرناطة يوم الثاني من كانون الثاني (يناير) عام 1492 واحتلالها من قبل ملكي قشتالة وليون الكاثوليكيين إيزابيل وفرناندو، إلا أنه في الواقع قد تم عام 1609 في عهد الملك فيليب الثالث.
وخلال 167 عاماً، وهي الفترة الممتدة من سقوط غرناطة إلى قرار الطرد والتصفية العرقية عانى أحفاد المسلمين الاندلسيين الذين فقدوا الحكم وأطلق عليهم اسم “الموريسكيون” وأجبروا على اعتناق المسيحية، وإن كان الكثير منهم قد اعتنقها علانية فقد كان يمارس الشعائر الإسلامية سرا، في حين فضل آخرون الرحيل عن إسبانيا للخلاص من بطش محاكم التفتيش.
الملك فيليب الثالث هو صاحب القرار المشؤوم بطرد الموريسكيين، والذي جاء نتيجة مزيج من العوامل السياسية والثقافية والدينية وتطلب تطبيقه سنوات.
وتفيد بعض كتب التاريخ بأن القرار جاء حينما أشير للملك فيلب الثالث أن الموريسكيين لا يزالون مشدودين بالحنين إلى ماضيهم أكثر من رغبتهم في الاندماج في هذه الديار الكاثوليكية وهذا قد يدفعهم في المستقبل إلى التحالف مع المغرب والإمبراطورية العثمانية التي أصبحت سيدة البحر الأبيض المتوسط وكانت سفنها تغير على شواطئ شبه الجزيرة الايبرية بين الحين والآخر.
كما رغب الملك فيليب الثالث وضع حد لضغط بابا الفاتيكان والكرادنة ناهيك عن الاتهامات الرائجة في باقي دول أوروبا التي تعتبر إسبانيا هي الدولة الكاثوليكية الوحيدة التي تعيش بين ظهرانيها أقلية مسلمة.
وإذا كان قرار طرد الموريسكيين قد اتخذ في مطلع نيسان (أبريل) 1609، غير انه بقي سرا حتى بدء تطبيقه في ايلول (سبتمبر) من السنة نفسها ضد الموريسكيين بداية بالذين كانوا يعيشون في إقليم فالينسيا ويشكلون فيه نسبة 33% من السكان.
وفي ظلام يوم في الثاني من تشرين الأول (أكتوبر) أبحرت أولى السفن محملة بالموريسكيين نحو شواطئ شمال المغرب العربي، لتمتد عملية الترحيل حتى سنة 1614 تخللتها ثورات الموريسكيين قمعت بالحديد والنار، وتمكنت جماعات صغيرة منهم الاختباء والعيش في الجبال، ونسجت حولهم الأساطير.
الروائي خوسي مانويل غارثيا مارين أصدر رواية بعنوان (سلم الماء) تتحدث عن التجاء الموريسكيين في الجبال لتشكل أسطورة حية في ذاكرة إسبانيا، بالمقابل صدر في العالم العربي رواية (سلام) لهاني نقشبندي تتهم المسلمين باحتلال الاندلس – استعراض للرواية داخل هذا العدد-.
في الواقع ان القراءة التاريخية لحقبة الأندلس تتجاذبها كثير من التناقضات، فالرواة الذين اعتمدوا الصورة والوجه والتوجه الديني، من الجانبين، لقراءة هذه الحقبة نجد انها تتناقض تماما في روايتها المحايدة الاسبانية الغربية والاندلسية العربية، لهذا من المفروض اعادة قراءة وكتابة تاريخ هذه الحقبة بموضوعية تامة، إذ كيف يمكننا احتساب قوم عاشوا في منطقة واحدة نحو عشرين جيلا غرباء عنها ؟!..
وبينما يختلف المؤرخون بشأن العدد المرحل ويرجحون أن ذلك يراوح بين 250 ألفا إلى 350 ألفا نحو الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط ولاسيما المغرب وتونس، غير ان هناك حقيقة أبرزها الكاتب الإسباني الكبير خوان غويتيسولو وهي أن قرار وعملية الطرد تمثل: “أول تصفية عرقية ودينية تشهدها أوروبا”.
وثيقة إخراج المسلمين من الأندلس
تحدثنا كتب التاريخ وتقول: بعد أن يأس الكاثوليك من إمكانية تنصير المسلمين تنصيراً حقيقياً، بدأ التفكير بطردهم وإجلائهم من جميع الأراضي الإسبانية . ولم يكن إتخاذ مثل ذلك القرار على عجلة أو إرتجالاً في عام 1609 بل سبقته خطوة أولى. حيث يحدثنا (الحجري) بأن الملك فيليب الثاني Philip II أصدر عام 1592 أمراً بإجراء إحصاء سكاني لجميع المسلمين في الأندلس: ( أن يزمموا جميع الأندلس، صغاراً وكباراً، حتى التي في رحم النساء بظهور الحمل، ولا علم أحد السر في ذلك ).
وبعد سبعة عشر عاماً جري إحصاء آخر لمعرفة معدل زيادة المسلمين فوجدوا أن عددهم يزداد كثيراً خاصة أنهم لا يشاركون في الحروب ولا يمارسون الرهبانية . عند ذلك أمر خليفته الملك فيليب الثالث Philip III أمراً ملكياً بطرد المورسكيين خلال ثلاثة أيام، بعد أن ثبت عدم إيمانهم بالنصرانية حقيقة . وقد نقل (الحجري) نص المرسوم الملكي حيث حصل المسلمون على نسخة منه وأرسلوه إلى السلطان المغربي مولاي زيدان لإطلاعه على ما يجري على المسلمين بالاندلس. وكان الحجري قد غادر الأندلس قبل عشر سنوات، وكان يعمل مترجماً للسلطان ، فقام بترجمة المرسوم من الإسبانية إلى العربية ، وهذا نصه :
مركش ذا قرسنا ( المركيز دي كرسنا Marquis De Qarasina )
قريبنا وخليفتنا في سلطنتنا بلنسية Valencia) سلام !
قد علمت ما صنع وعمل مع النصارى الجدود الأندلس أهل تلك السلطنة وقشتالة على طول السنين الكثيرة الماضية من التحريض والإرشاد لإثباتهم في ديننا المجيد وإيماننا ( بالمسيحية) . ولا نفع معهم قليلاً ولا كثيراً (قليل ولا كثير) لأنه لم يجد (يوجد) فيهم واحد مَنْ هو نصراني حقيقة
والغرر والشر الذي يمكن أن يحدث بسبب مت تعامينا عليهم ؛ قد ذكره إلينا رجال علماء ( أساقفة) وصلحاء ، وأنه لزمنا إصلاح ذلك الأمر لنرضي به الله ؛ ونزل غضبه من أجل هذه الأمة، وأفتوا فيهم أنه يجوز لنا من غير شك أن نعاقبهم في أنفسهم وأموالهم ؛ لأن الإستمرار على سوء أفعالهم ختم وحكم عليهم أنهم منافقون وأعداء للمقام الإلهي والإنساني .
وهب أننا قادر(ون) على أن نجزيهم ونعاقبهم بما أوجب سوء فعلهم ولومتهم، فمع ذلك اخترت معاملتهم على طروق الحلم واللين وترك المؤاخذة . وبسبب ذلك أمرنا بإجتماع المحفل الذي حضرتُ فيه مع العلماء والأكابر في تلك المدينة لعلّي نجد سبيلاً لترك إخراجهم من مملكتنا . ونحن في هذا قد تحققنا وصح من وجوه : أنهم بعثوا للتركي الكبير ( السلطان العثماني) بإسطنبول ومولاي زيدان بمراكش رسلهم يطلبون منهم أن ينجدوهم، وأنهم عندهم مائة وخمسون ألف رجلاً مسلمون ، مثل (بقدر) الذين ببلاد المغرب الأفريقية ؛ وأيضاً بعثوا لأعدائنا البحرية بالجهة الشمالية التي تحت القطب ( هولندا) وأنعموا أنهم يعينهم بسفنهم وأما سلطان مراكش فقد عزم على تدويخ البلاد وتسكينها؛ وإذا اتفقوا جميعاً مع هؤلاء نرو (نرى) نفوسنا في الأمر الذي لا يخفى .
وللقيام بما لزمنا من حفظ مملكتنا، ودفع ما يعرض لها اتفق نظرنا – بعد أن دعوت الله وأمرت بالدعاء له طامعاً ومتوكلاً في تأييده ونصره لما يجب لمجده وفضله – على إخراج جميع (مسلمي) الأندلس الذين هم في تلك السلطنة لأنهم أقرب للغرر، والإنجاز بذلك أمرنا بإشهار (إعلان) هذا الأمر ويُنادى به.
فأولاً : يُعرف منه أن جميع الأندلس التي في تلك المملكة رجالاً ونساءً بأولادهم في ثلاثة أيام من شهرة ( من تاريخ إعلان) هذا الأمر بالبلاد التي هم ساكنون أن يخرجوا ويمشوا ليركبوا البحر في الموضع الذي يؤمر به . وأن يحملوا من العروض والأثاث ما يستطيعون عليه ، ليركبوا في السفن والأغربة (القوارب) التي هي موجودة لحملهم إلى بلاد المغرب، وينزلونهم من غير مضرة لأحد في النفوس والأموال ويعطونهم ما يحتاجون إليه من الطعام ما داموا فيها. ومن أراد أن يحمل لنفسه ما يقدر عليه فليفعل. ومن يتعدى عن هذا الأمر فليقتل في الحين .
وأنَّ كل من يوجد بعد ثلاثة أيام التي يُنادى بالأمر خارجاً عن بلده ، يجوز لكل من لقيه أن ينهب ما عنده، ويسلمه للحكام ( محاكم التفتيش) ، وإن امتنع يجوز له قتله .
وأن كل من يسمع النداء لا يخرج من بلده إلى غيره حتى يمشي مع من يقودهم إلى ركوب البحر .
وأن كل من يدفن شيئاً من أمتعته إن لم يستطع الرفود (أخذها) معه، أو يحرق شيئاً من الزرع أو الأشجار أن يُقتل على ذلك وأمرنا جيرانه بتنفيذ الحكم فيهم .
ولما يُصلح بالبلاد في معاصر السكر والرز وسقي البلاد ليعلموا السكان الجدد، أمرنا بقعود (إبقاء) ستة من الأندلس بأولادهم الذين لم يتزوجوا، في كل بلد يكون من مائة دار . والأمر في ذلك لتعيينهم فهو لمولى كل بلد يكون من الفلحين (الفلاحين) القدماء الذين ظهر عليهم القرب والميل لديننا، ويُرجى فيهم الثبات عليه .
وأن الرماة ( العسكريين) والنصارى القدماء (أي النصارى الذين اعتنقوا الإسلام) لا يأخذوا شيئاً من أموالهم ولا يقربوا إلى نسائهم وأولادهم، ولا يكتم (يخفي) منهم أحداً في داره. ومن يفعل ذلك يُجعل في مُقدَف الأغرِبَة ست سنين، ويُزاد على ذلك ما يظهر لنا
وليعلموا أن السلطان ما مراده إلا إخراجهم من بلاده إلى بلاد المغرب فلا يضرهم أحد بوجه من الوجوه؛ وأنه ينفق عليهم ويحملهم في سفنه. وإذا بلغوا فليرجعوا عشر منهم ليعلموا لغيرهم وكبراء الأغربة والسفن فليعلموا بهذا الأمر
وأن الصبيان والأيتام من أقل من أربع سنين إذا أرادوا القعود برضاء وكلائهم والأوصياء فليقعدوا .
وأن الصبيان الذين يكون (هم) أولاد نصارى ( آباؤهم نصارى) لا يُخرجوا ولا أمهاتهم معهم وإن كانت أندلسية. وإن كان أبوهم أندلسي وأمهم نصرانية فتقعد بأولادها التي من ( دون) ست ( سنوات ) فأقل ، وهو يذهب ويخرج .
وشُهر هذا الأمر ونودي به في الثاني والعشرين من شهر سبتمبر من عام تسع وست مائة وألف من ميلاد سيدنا عيسى – عليه السلام- إنتهى. كتب بتاريخ الحادي عشر من شهر أيلول (سبتمبر) عام 1609 م
وهكذا من خلال هذه الوثيقة تم إنهاء وجود المسلمين في إسبانيا بعد ان استوطنوها قرابة عشرة قرون متواصلة.
سيناريو مراحل الصراع والنكبة والمآسي حتى الطرد
يعتبر الموريسكيون وحتى حلول القرن السادس عشر، مواطنيين إسبان، لكن أقل درجة، ومن الطبقة المهزومة المقهورة، رغم ان بعضهم كان من المسيحيين بالأصل، وكان العديد منهم مثل شخصية “ريكوت” وهو جار “سانشو بازا” في رواية “الدونكيشوت” (1605-1615) وطنيون لدرجة كبيرة، وكانوا يعتبرون أنفسهم مثل ذلك الموريسكي في تلك الرواية. إلا أنهم كانوا جميعاً ضحايا سياسة الدولة التي كانت مبنية على النزاعات العنصرية الدينية، يدعمها المجلس الملكي والكنيسة، حيث كان طرد اليهود عام 1492 يمثل حادثة مماثلة شرعية في ذلك الوقت.
وحسب بنود المعاهدة التي أبرمت عام 1492، نصت على السماح لرعايا الملك الاحتفاظ بمساجدهم ومعاهدهم الدينية، ولهم حق استخدام لغتهم والاستمرار بالالتزام بقوانينهم وعاداتهم، إلا أن بنود تلك المعاهدة قد نقضت خلال السنوات السبع التالية. وقد حدث ذلك عندما جرى استبدال النهج التبشيري المعتدل لرئيس أساقفة غرناطة “هيرناندو دي تالفيرا” Hernando de Talavera (1428-1507)، بالنهج التعصبي للكاردينال “سيسنروس” Cisneros (1518-1436) الذي قام بتنظيم اعتناقات جماعية للدين المسيحي، وقام بحرق جميع الكتب الدينية باللغة العربية، وجرى ذلك أثناء التمرد الأول للبوجراسيين alpujarras (1500-1499) عقب قتل أحد نواب الكاردينال لاعتداءه على فتاة مسلمة بغرناطة – وهم المقاتلون الذين التجأوا الى جبال البوجراس -جبال البشرات- في جنوب الأندلس، وكان معقلهم فنسبوا إليه. وقد استغلت لمنح “العذر” للملوك الكاثوليك لأن ينكثوا بوعودهم. وفي عام 1499 أجبر قادة الدين الإسلاميين في غرناطة على تسليم أكثر من 5000 كتاب تتميز بتجليدات زخرفية لا تقدر بثمن، فقد تمّ إحرقها وبقي منها بعض الكتب الطبية فقط.
وبعد عام 1502 تم تخيير الموريسكيين في جنوب الأندلس، وبلنسية، وكاتالونيا، وأراغون بين التعميد أو النفي. فكان التعميد بالنسبة للأغلبية هو الخيار الشكلي. وأصبح المسلمون الإسبان فيما بعد المسيحيين الجدد (نظريا) وهم بذلك أضحوا خاضعين للسلطة القضائية للمحكمة الكاثوليكية التي يترأسها البابا “سكستوس” السادس في عام 1478.
إلا أن اعتناق معظمهم كان بالاسم فقط: إذ كان المسلمون يمارسون الطقوس الدينية المسيحية التي لا وزن لها، واستمروا على تعاليم الدين الإسلامي سراً. فمثلاً، بعد أن يتم تعميد الطفل، كان يؤخذ إلى البيت ويتم تغسيله بالماء الحار لإبطال قدسية التعميد.
كان المسلمون الأوائل قادرين على أن يحيوا حياة مزدوجة بضمير حي، نظرا لوجود بعض الأحكام الدينية الإسلامية التي تجيز للمسلمين الرازخين تحت وطأة الإكراه أو من كانت حياتهم في خطر، التظاهر (بالتقية) حفاظاً على حياتهم.
واستجابة لطلب من المسلمين الإسبان، أصدر المفتي الأكبر لمدينة وهران بالجزائر أحمد بن أبو جمعة حكما بجواز احتساء المسلمين الخمر، وتناول لحم الخنزير، أو القيام بأي فعل محرم إذا أجبروا على القيام بذلك ولم يكن في نيتهم فعل هذا العمل الآثم. كما أفتى أيضا بجواز إنكار الرسول محمد بألسنتهم شريطة أن يكنوا له في الوقت نفسه المحبة في قلوبهم، إلا أن هذه الفتوى لم يوافق عليها جميع علماء المسلمين
وبذلك، يمكن القول إن سقوط غرناطة كان بمثابة مرحلة جديدة في العلاقات بين المسلمين والمسيحيين، إذ قبل ذلك ، كان من مصلحة ملكي “أراغون” و”قشتالة” احترام تلك القوانين والاتفاقيات.
ومع ذلك، نرى الآن أن إسبانيا لم تصبح نظريا على الأقل أمة مسيحية بصورة كاملة، وإنما هناك تماثل أيضا من حيث نقاء الإيمان مع صفاء الدماء، بحيث صنف جميع المسيحيين الجدد أو المتحولين عن دينهم ، سواء أكانوا من أصل إسلامي أم يهودي، بالمارقين المتسترين.
وبما أن الموريسكي عضو في الأقلية المقهورة ذات البيئة الثقافية الأجنبية، فقد أصبح ” ضعيفا”، وأضحى كل مظهر من مظاهر حياته : لغته، ملبسه، وعاداته الاجتماعية يحكم عليها بأنها غير حضارية ووثنية. فالفرد الذي يرفض احتساء الخمر، أو تناول لحم الخنزير قد تتهمه المحكمة الكاثوليكية بأنه مسلم، وتعتبر المحكمة الكاثوليكية والرأي العام أن تصرفات مثل تناول “الكوسكس”، واستخدام الحناء، ورمي الحلوى خلال حفلات الزفاف، والرقص على إيقاع الموسيقى البربرية، كل ذلك يعتبر حسب نظرهم عادات غير مسيحية، وعلى الفرد أن يعاقب نفسه تكفيراً عن خطيئته.
وبالنسبة للموريسكيين الذين كانوا مسيحيين أصليين، صنفوا كمواطنين من الدرجة الثانية، وكانوا يتعرضون للنقد من قبل المسلمين والمسيحيين على حد سواء. وعلى الرغم من أن إطلاق اسم Morisco على المسلم يعتبر لفظا ينتقص من قدره، إلا أن المؤرخين يرون أن هذا الاسم مناسباً لتمييز العرب والمسلمين الذين بقوا في إسبانيا بعد سقوط غرناطة.
قام “فيليب الثاني” في عام 1567 بتجديد مرسوم لم يتم تنفيذه بإحكام من قبل. وهو ينص على عدم شرعية استخدام اللغة العربية، وحظر الدين الإسلامي واللباس والعادات الإسلامية. وقد صدر هذا المرسوم في فترة التمرد الثانية للبوجراسيين (1568-1570) والذي بدا أنه قام بمؤامرة سرية مع الأتراك. وتم القضاء على الانتفاضة بوحشية من قبل نبيل النمسا “الدون جوان”.
وكان من أكثر الأعمال الوحشية التي ارتكبها هو تدمير مدينة “غاليرا” وحتى شرق غرناطة ومحوها تماماً، حيث قام بمذبحة راح ضحيتها 2500 امرأة وطفل، وإلى تشتيت شمل حوالي 80000 موريسكية متواجدين في غرناطة والذين ذهبوا فيما بعد إلى المناطق الأخرى من إسبانيا، واستقر المسيحيون القدامى، وهم من شمال إسبانيا، في مدنهم.
وبحلول عام 1582، اقترح مجلس دولة الملك فيليب الثاني فكرة طرد المسلمين، ورأى المجلس أن ذلك هو الحل الوحيد للصراع القائم بين الجاليات، على الرغم من وجود بعض المخاوف من حدوث حالة تردي اقتصادي مؤذ حيث سيفتقَد إلى المهارة الحرفية، وسيكون هناك نقص في الخبرة والقوة البشرية العاملة في الزراعة.
وبما أن هناك معارضة من قبل بعض النبلاء، ونظرا لأن الملك كان مشغولاً بالأحداث العالمية، فإنه لم يتم اتخاذ قرار بهذا الشأن حتى عام (1609-1610) حيث أصدر فيليب الثالث (1598-1626) مرسوم الطر، في حين قامت الكنيسة بسنّ القوانين الملكية الخاصة بالمسلمين بكل مراحلها. وقد أصبح “جوان دو ربيرا” (1542-1611) وهو كبير رئيس الأساقفة والذي كان في البداية يؤمن إيماناً راسخاً في فعالية العمل التبشيري، أصبح في أيامه الأخيرة المؤيد الرئيسي للطرد. وقد قال في خطبة دينية في 27 سبتمبر عام 1609 أن “الأرض لن تزدهر ثانية مالم يتم طرد هؤلاء الزنادقة”.
وكذلك تغير موقف دوق “ليرما”، وهو الوزير الأول للملك فيليب الثالث (1618-1598)، عندما تمت الموافقة بمنح لوردات بلنسية أراضي المسلمين المطرودين، وذلك تعويضاً عن خسارتهم لسفنهم.
وتم بالإجماع المباشرة بتطبيق قرار الطرد من قبل مجلس الدولة، وذلك في 30 يناير عام 1608، على الرغم من أنه لم يتم التوقيع الفعلي على المرسوم من قبل الملك إلا في الرابع من نيسان (إبريل) عام 1609. وتم إعداد أسطول السفن الشراعية الإسبانية سراً، وانضم إليه فيما بعد العديد من السفن التجارية الأجنبية وقد جاء البعض منها من إنجلترا.
وفي الحادي عشر من ايلول (سبتمبر)، أعلِن في بلدة بلنسية عن قرار الطرد، وغادرت أول قافلة من دانية عند حلول الظلام، وذلك في الثاني من تشرين الأول (أكتوبر) ووصلت إلى وهران بالجزائر في أقل من 3 أيام.
وتسلم مسلموا أراغون وقشتالة وجنوب الأندلس، و”اكستير مادورا” أوامر الطرد خلال فترة السنة التالية. واستقرت أغلبية المهاجرين المطرودين في المغرب، أو على طول الساحل وخاصة في وهران، تونس، تلمسان، تطوان، الرباط، وسَلا.
وقد سافر العديد منهم براً إلى فرنسا، إلا أنهم أجبروا على الهجرة إلى إيطاليا، وصقلية، أو اسطنبول إثر اغتيال “هنري” ملك “نافار” على يد “رافيلاك” وذلك في مايو عام 1610.
هناك تضارب شديد في عددهم، فقد قدر عالم الديموغرافيا الفرنسي “هنري لابيري”، وذلك من خلال تقارير الإحصاء الرسمية للسكان، ومن خلال قوائم المسافرين على متن السفن، أن هناك حوالي 275000 مسلم إسباني قد هاجروا خلال السنوات 1614-1609 من مجموع 300000 مسلم إسباني.
ولا يتساوى هذا التقدير المعتدل مع الروايات المعاصرة العديدة التي تقدر عدد المسلمين بحوالي 600000 مسلم، وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن العدد الكامل لسكان إسبانيا في ذلك الوقت كان بحدود سبعة ملايين ونصف المليون نسمة فقط، فهذا يشكل بحد ذاته نقصاً حاداً في القوة البشرية المنتجة، وفي ريع الضرائب.
وفي مملكة بلنسية التي فقدت حوالي الثلث من سكانها ، فقد هُجرت نصف قراها في عام 1638.
وهناك تضارب مماثل حول عدد المسلمين الذين قتلوا خلال التمرد المسلح، أو أثناء رحلتهم إلى المنفى. وأفاد السيد “بيدرو أزنار كاردونا” الذي برّر في بحثه مسألة الطرد والذي نشر في عام 1612، أنه توفي أكثر من 50000 مسلم، وذلك بين شهري تشرين الأول (أكتوبر) 1609 وتموز (يوليو) 1611 أثناء محاولتهم مقاومة طردهم، في حين أنه توفي أكثر من 60000 مسلم أثناء رحيلهم خارج البلاد سواء براً، أم بحراً ، أو على أيدي إخوانهم في الدين بعد أن تم إنزالهم على الساحل الشمالي الإفريقي
وإذا ما كانت هذه الأرقام صحيحة، نجد أن أكثر من سدس المسلمين قد أبيدوا خلال فترة السنتين. وقد أشار “هنري تشارلز لي” بعد دراسة المصادر المعاصرة أن نسبة وفاة المسلمين تقع ما بين ثلثي وثلاثة أرباع مجموع عددهم.
استغل “جوان دو ريبيرا” العامل الديموغرافي كأحد الحجج المؤكدة في تأييد مسألة الطرد. وحذر “فيليب الثالث” أنه مالم يتخِذ إجراءً سريعاً، فقد يجد المسيحيون الإسبان أنفسهم عاجلاً أنهم أقل عدداً من المسلمين، حيث أنهم يتزوجون ولديهم أسر كبيرة، في حين أن ثلث أو ربع المسيحيين غير متزوجين، وذلك بعد دخولهم في خدمة الكنيسة الكاثوليكية، أو بسبب انخراطهم في الخدمة العسكرية.
وأفاد “ريبيرا” أن كل ما يفكر به المسلمون هو الزيادة والحفاظ على نسلهم، في حين أن اعتدالهم في المأكل والمشرب يطيل من أعمارهم. ومما زاد من مخاوف “ريبيرا” هو الإحصاء السكاني الذي أجري لسكان بلنسية والذي أشرف عليه هو شخصياً في العام نفسه، والذي أظهر أن عددهم قد ازداد بنسبة الثلث.
وخلال اجتماع عقد لمجلس الدولة في كانون الأول (يناير) 1608 عزا الكوماندور “دوليون” انخفاض عدد السكان المسيحيين الأصليين إلى كرههم لتحمل الأعباء الاقتصادية للزواج في وقت ترتفع فيه تكاليف الحياة. كما حذر أيضا من أن المسلمين سيتمكنون عاجلاً من تحقيق أهدافهم بكل سهولة بسبب ازدياد عددهم وذلك دون اللجوء إلى استخدام السلاح أو تلقي مساعدة من الخارج.
وحانت اللحظة المناسبة لاتخاذ عمل صارم إزاء هذا الموضوع، بسبب انشغال تركيا بالحرب، وضعف كل من فارس (إيران أو شمال إفريقيا) من جراء تفشي مرض الطاعون والجفاف والحرب الأهلية.
في ذلك الحين أفاد كونت “ألبا دوليستَ”، من خلال مزيد من التحريف لمسألة الديموغرافية، لو يرسل الملك، برحمته، المسملين إلى شمال إفريقيا فإن ذلك يكون بمثابة ضرب من أنواع الحكم عليهم بالموت، لأنهم إنْ لم يموتوا بسبب الجفاف أو الجوع فإنهم سيصبحون عقماء.
نجد في مخيلة العديد من الناس أن مسألة خصوبة المسلمين لها علاقة بالتعاليم الدينية الإسلامية بالنسبة للانغماس في الشهوات واستباحة المحرمات. ويعزى فشل الكنيسة في جهودها التبشيرية – كما يقولون- إلى موقف الإسلام من المتعة الدنيوية، والحساب في دار الآخرة. وجسّد المسلمون إثم الطبيعة البشرية فيما بعد بطريقة رومانسية في تخيلاتهم للمرأة الشرقية. إلا أنهم كانوا عرضة لخطيئة “الأنا العليا” مثل الغرور، النفاق، المكر، الجشع، واغتنام الفرص، وتعزى كل هذه الصفات إلى اليهود.
إن المتعصبين لن يترددوا في استخدام الأنماط المماثلة لتبرير كرههم للمسلمين، وهذا أمر لا ريب فيه بالنسبة للعديد من الكتّاب الإسبان في القرن السابع عشر الذين يصفون الموريسكين بأنهم كسولين، إلا أنهم كادحون، وغير مسرفين ولكنهم فاسقون، وبخلاء وفي الوقت نفسه مبذرون، وخونة، إلا أنهم محاربون أشداء، وجاهلون وحريصون على التعلم كي يتفوقوا.
وكما رأينا أن هناك أسبابا حقيقية للخوف والغيرة من الموريسكيين فعدد سكانهم يتزايد بسرعة، وأصبح البعض منهم تجاراً وأصحاب محال ناجحين، على الرغم من محاولات إقصائهم عن هذه المهن، وهم يضربون مثلاً رائعاً في سلوكهم في التجارة والاقتصاد في الإنفاق والعمل المضنين، وتعمل الأغلبية منهم ظاهرياً وفقاً للمتطلبات الدينية المفروضة عليهم، إلا أنهم استمروا –عن طرق الحيلة- بالاحتفال بأعيادهم وبتطبيق الشعائر الدينية الأساسية الإسلام.
وقد أدى رفضهم للتعاليم الداعية للتخلي عن طابعهم الديني والثقافي إلى أن يكرههم العديد من المسيحيين القدامى. فلم تكن هناك محاولة جادة لفهم ثقافة ودين المسلمين.
إن أية رواية يشوبها تشويه سمعة الإسلام، وأي تلميحات بإهانته، وأي تحريف لإحدى حقائقه، كان يعتبر مقبولاً، إذ كان يخدم ما يعتبره هؤلاء المسيحيون هدفاً جديراً بالثناء عليه لتشويه صورة الإسلام. كان مفهوم التنوع الثقافي يعتبر غريباً، واستيعاب هذا التنوع غير مقبول على نحو متساو.
تتباين معاناتهم بشكل كبير من منطقة إلى أخرى. فقد سادت في بعض أرجاء إسبانيا علاقات مميزة بين المسيحيين القدامى والجدد. وقد أظهرت دراسة مفصلة أجراها “فيلاروبيا” في “لامانشا” –والتي يشكل فيها المسلمون نسبة 20% من السكان، ويمتلكون أفضل المزارع وقد اندمجوا ضمن المجتمع هناك- أظهرت أن جيران المسلمين من المسيحيين القدامى كانوا يقومون بحمايتهم من الزيارات غير المرغوب بها من قبل مفتشي الحكومة. وقد استطاع العديد من أؤلئك الذين تم طردهم من العودة ثانية إلى إسبانيا وقطع مئات الأميال للوصول إلى وطنهم.
ولم يتم سرد القصة الكاملة للمعاناة التي تحمّلونها: كيف وصل أولئك الذين نجوا بحياتهم، وهم يعانون من الجوع والحرمان لأن اللصوص والمحتالين سلبوا منهم المال وضرورات الحياة التي سمح لهم بأخذها معهم، وكيف أن الذين سافروا براً إلى فرنسا قد أرغموا من قبل المزارعين أن يدفعوا مالاً إذا شربوا من نهر، أو جلسوا تحت ظل شجرة، وكيف حاول الآلاف منهم المقاومة، وأن الذين نجوا بحياتهم كانت خاتمتهم أنهم أصبحوا عبيداً في السفن، وكيف كان أؤلئك الذين ينتظرون الصعود إلى السفينة جوعى بحيث أنهم وافقوا على بيع أطفالهم مقابل الحصول على الخبز، وكيف كانت السياسة الرسمية للكنيسة هي فصل الأطفال المسلمين عن والديهم.
وكان هدف “خوان دو ريبيرا” منذ البداية والذي صادق عليه مجلس الدولة في الأول من كانون الثاني (يناير) عام 1609، أن يبقى الأطفال الذين كانت أعمارهم بين العاشرة أو أقل في إسبانيا ليقوم الرهبان أو أي أشخاص آخرين موثوق بهم بتعليمهم، حيث يقومون بالإشراف عليهم حتى بلوغهم سن الخامسة والعشرين، أو الثلاثين مقابل تأمين المسكن والطعام والملبس لهم، وأن يسلم الأطفال الرضع إلى المرضعات المسيحيات القدامى حسب تلك الشروط
وفي الشهر التالي تم تخفيض سن الأطفال من عشر سنوات إلى خمس سنوات أو أقل من ذلك. وجرى تنفيذ هذه السياسة بشكل جزئي، إلا أنه ثبت أنه من المستحيل تنفيذها بشكل كامل. وبدا أنه فقِد حوالي 14000 طفل مسلم – إذا افترض أنه كان لكل أسرة طفلان – من مجموع المسلمين الذين ركبوا سفينة “اليكانت” في الأندلس وذلك في فترة ما بين السادس من تشرين الأول (أكتوبر)، والسابع من تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1609.
وحسبما جاء في الويثقة المؤرخة في 17 نيسان (إبريل) عام 1610، فقد أرسل من مملكة بلنسية حوالي 1832 من الصبية والفتيات المسلمين وأعمارهم ما بين السابعة أو أدنى- وكان ذلك ضد رغبة أوصيائهم- إلى قشتالة لخدمة الأساقفة وكبار قوم المملكة.
وفي تموز (يوليو) عام 1610، أوصت الكنيسة بأن يتم بيع جميع الأطفال المسلمين من هم فوق سن السابعة الموجودين في مملكة بلنسية إلى المسيحيين القدامى بشكل دائم، وهم: أيتام المتمردين، والأطفال الذين استحوذ عليهم الجنود وآخرين لم يفصح عن هويتهم، كانوا يظنون أنهم بذلك يفعلون الخير.
وأقر العلماء اللاهوتيون الذين وقعّوا على هذه الوثيقة بأن الرق لم يبرر أخلاقياً فحسب، بل هو مجدٍ من الناحية الروحية، أي أن هؤلاء الأطفال من غير المحتمل أن يصبحوا مرتدين عن دينهم، بما أن أسيادهم ضمنوا بقاءهم كرومان كاثوليك، وأن العبيد نادراً ما يتزوجون، فهذا منهج آخر للتخلص من “العرق الشرير” في إسبانيا.
فما هي أهمية تحديد مسألة السن؟!
كان يعتقد أن الطفل إذا تجاوز سن السادسة أو السابعة فإنه يبدأ في فَقْد براءته، ويصبح من الصعوبة تلقينه تعاليم مذهب ما، في حين أن الطفل الأصغر سناً لا يدري شيئاً عن أصوله. وجرى تبرير هذه السياسة بأن الأطفال الأبرياء الذين تم تعميدهم كمسيحيين ينبغي عدم معاقبتهم بسبب آثام آبائهم، مع أنه ذلك يعتبر تناقضاً، لأن مبدأ توارث الخطيئة مقبول كمبرر لطرد جميع البالغين سواء أكانوا مسيحيين أم لا.
بالإضافة إلى ذلك، قيل أن طرد الأطفال مع والديهم غير النصرانيين هو بمثابة التأكيد على أنهم مسلمون، وكان لزاماً على الأطفال المسلمين ألا يتلقوا تعليماً يفوق طبقتهم الاعتيادية، وبذلك يتم عزلهم عن الطلاب الذين يتهيئون لمنصب الكهانة، ونجد أن هؤلاء الأطفال المسلمين تتم تربيتهم من قبل الحرفيين، وعمال المزارع، وبالتأكيد كان لا يسمح لهم بدراسة الأدب. وبهذه الطريقة كان يؤمل أن تمحى ذكريات الإسلام في إسبانيا للأبد. وقد أعجب “فيليب الثالث” إعجابا شديداً بهذه النقطة.
لقد كتِب الكثير عن هجرة اليهود الإسبان الجماعية في عام 1492، أو عن المعاناة التي لاقاها العديد من اليهود المتحولين الذين لاقوا معاناة من قبل المحكمة الكاثوليكية، إلا أنه لم يلق المسلمون الإسبان المعاملة نفسها.
ترتبط في أذهان معظم الناس أن المحكمة الكاثوليكية الإسبانية تقوم باضطهاد اليهود، فلم يعرف كثير عن تعذيب المسلمين من قبل المحكمة، وأنهم كانوا ضحية للمفهوم المعادي للسامية.
واتهمت المحكمة الكاثوليكية حوالي 12000 مسلم بتهمة الارتداد عن المسيحية أي بنسبة قدرها 50%، قبل أن يتم طردهم بحوالي 30 سنة.
التعصب الديني في تبرير الطرد
ولم يتجل التعصب الديني والعنصري في أي مكان كما تجلى في تقارير اجتماعات مجلس دولة الملك “فيليب”، وكذلك في الكتب التي ألفت وذلك من أجل تبرير الحاجة إلى سياسة الطرد. ويلمس المرء في تلك المؤلفات التي كتب معظمها رهبان محبطون تبشيريون من الدومنيك، تعصباً لاهوتياً غير أصلي مدعوماً بحوادث سابقة من الإنجيل وهي محاولة “تهويد” الإسلام، ووصف المسيحيين الإسبان القدامى أنهم “العرق المختار” المنشغلون في حرب صليبية لاستعادة “الأرض الموعودة” من أمة محمد.
من السخرية أنه لم يستشهد فقط المدافعون عن سياسة الطرد الجماعي بنصوص العهد القديم التي استخدمت لدعم نظرية أن فلسطين هي الأرض اليهودية الموعودة، وإنما أيضا استشهد بتلك النصوص اللاهوتيون المعادون لليهودية وذلك تأييداً للحاجة إلى قوانين لتنقية الدماء.
وقد اعتبر هؤلاء المؤلفون الإسبان المسيحيين القدامى كوريث روحي لأطفال إسرائيل، وشبهوا الملك فيليب الثالث بإبراهيم، وموسى والملك داود، وأطلقوا عليه اسم “إبراهيم الثاني” وأفادوا أنه [يعني النبي إبراهيم] كان ملزماً بطرد ابنه غير الشرعي، أي العرب المسلمين، أحفاد “هاجر” الأمَة المصرية.
وكانت أفضل النصوص الواردة من الإنجيل التي يفضلونها هي رسالة الله إلى موسى التي سلمها لشعبه، عندما كانوا على وشك الدخول إلى الأرض الموعودة والتي كانت كما يلي: “إنكم لن تدعوا أحداً على قيد الحياة في مدن تلك الأمم التي منحها الله هذه الأرض، إنكم سوف تبيدون الحثيين، والعموريين، والكنعانيين، وأهالي بير زيت، وحيفا و… كما أمركم الله، بحيث لا يعلمونكم أن تقلدوا الأفعال البغيضة التي قاموا بها إزاء آلهتكم وبذلك يجعلونكم ترتكبون الآثام ضد إلهكم ..”
وقد استشهد اليهود بهذا النص الذين كانوا يقودون حملة لتوسع إسرائيل الكبرى الممتدة من الفرات وحتى البحر الأحمر، وقد استخدم هذا النص أيضا من قبل المتطهرون The Puritans في شمال أمريكا في القرن السابع عشر، وذلك لتبرير المجزرة التي جرت ضد سكان أمريكا الأصليين.
وعقب استعارة هذا التشابه، أوضح أحد الشعراء المعاصرين حول مسألة الطرد الجماعي للموريسكيين فأفاد بما يلي: سوف يغادر المسلمون أرض إسبانيا المقدسة مغادرة لا عودة بعدها، وسيعودون إلى مصر أرض جهنم. في حين اقترح الراهب البرتغالي الدومنيكي “داميان فونسيكا” بأن الله كان يتوقع من جلالة الملك الكاثوليكي أن يبذل سعيا حثيثاً في تهدئة العقاب الإلهي. وقد استخدمت هذه الجملة في عام 1611 وهي (المحرقة المقبولة).
ويعتبر هؤلاء المعاديون للسامية أن اليهود ينحدرون من يهوذا الذي خان المسيح وليس من يهوذا ابن يعقوب. ولم يعترفوا بأن عيسى يهودي أرسله الله ليعظ نعاج بيت إسرائيل التائهة. ونتيجة للقدر الذي كتبه الله لهم، لم يعد اليهود شعب الله المختار، وورثوا خطيئة قتل الإله فحكم عليهم أن يتيهوا في الأرض.
إن أبسط طريقة للحط من قدر ما تبقى من أثر للعرب الإسبان هو تصوير الإسلام على شكل بدعة يهودية مزيفة. فاقترح القسيس الملكي” جيم بليدا” ، وهو من المجادلين المعاديين للمسلمين ـ اقترح أن الغزو الإسلامي لإسبانيا ما كان إلا بمثابة العقاب الإلهي لسياسة الملك” ويتزا” (698-710) المؤيدة لليهود، حيث أنه أبطل المراسيم التي أصدرها والده عن طريق إعتاق اليهود من الرق، ورد أراضيهم وامتيازاتهم إليهم.
وقد استشهد بذلك كحادثة سابقة شرعية جرى تطبيقها على المسلمين، وذلك في الاجتماع الذي عقده مجلس الدولة في 30 كانون الأول (يناير) 1608. وعلى أية حال، كان الحدث التاريخي المباشر هو طرد اليهود في عام 1492.
وفي شهر نيسان (إبريل) من عام 1605، حث “بليدا” فيليب الثالث إلى أن يحذو حذو سلفه الملك “فرديناند”، والملكة ” إيزابيلا” الذين أقنعهما “فيراي دو تركومات” بطرد اليهود من مملكتهما، وأن يقوما بالفعل نفسه إزاء المسلمين إذا رفضوا عملية التعميد، وأضاف بأن الله قد كافأ أسلافهم الكاثوليك نظراً لحماسهم للدين المسيحي فمنحهم العالم الجديد.
إن الكثير من التوبيخات القاسية التي وجهها “بيلدا” ومجادلون آخرون إلى المسلمين قد وجهت سابقاً إلى اليهود. وقيل عن المسلمين واليهود أنهم يتوارثون ارتكاب الآثام، وأنهم دخلاء على المجتمع، ولا يمكن إصلاح إلحادهم المتأصل، وأن فسقهم الراديكالي هو بمثابة العدوى السريعة الانتشار، والتي يجب القضاء عليها.
لقد وُصِفَ “فيليب” الثالث بأنه “جالينوس” كاثوليكي، وعهد إليه مهمة تطهير إسبانيا من الداخل من السموم والفساد.
استعراض نكبة ومحنة الموريسكيين في اسبانيا، بؤكد إلى الحاجة الماسة اليوم لكتابة نسخة جديدة منقحة من التاريخ الأوروبي، حيث لدينا تعدد عرقي وديني في أوروبا (حوالي 30 مليون مسلم، في أوروبا) كما أن هناك حاجة لبيان وتبيان وإنجازات ومحن المسلمين في أوروبا.
وبإمكان الفاتيكان أن يفعل الكثير وهو الاعتراف بالوحشية المرتكبة باسم الكنيسة. ومن الصعب أن نصدق أنه تقرر في نهاية عام 1960 وجوب إضافة اسم “جوان دو ريبيرا” إلى قائمة القديسيين. فقد تم على الأقل مؤخراً إسقاط تقديس الملكة “إيزابيلا”. فالقديسيون الحقيقيون هم أؤلئك الذين عرّضوا حياتهم للخطر من أجل حماية أناس اضطهدوا من أجل معتقداتهم، أو بسبب معتقدات أسلافهم، أو ماتوا لأنهم رفضوا خيانة آخرين من أجل المحكمة الكاثوليكية، والذين لم يرتدوا عن إيمانهم وماتوا أثناء المقاومة المسلحة.
450 عاما على تتويج (ابن أمية) ملكا وألعابهم الاولمبية الموريسكية
نشرت (الاندلس) في الاعداد الماضية تفاصيل حول مناسبة مهرجانات واحتفالات بلدة برشانة السنوية والتي تحمل عنوان (الألعاب الأولمبية المورسكية – ابن أمية-) التي تحتفل بها منذ 14 عاما متتالية.
وفي صيف هذا العام أي بدورتها الـ15 سيصادف ذكرى مرور 450 عاما على تتويج (محمد ابن أمية) ملكا على الشعب الموريسكي، وهو الذي اقام المنافسات والمباريات الاولمبية لتأهيل وتدريب جنوده. إبان الثورة الموريسكية الكبرى 1469م
والملك الموريسكي الذي جرى تتويجه هو الشاب (فرناندو دي فالور اي دي قرطبة) Fernando de Valor e de Córdova من أعيان مدينة قرطبة ومستشارا في بلديتها، ويعود نسبه الى بني أمية وقد إعطي اسما ولقبا عربياً هو (محمد ابن امية)Mohamad Aben Humeya ، تيمنا بالامير محمد ابن عبدالرحمن ابن أمية مؤسـس مدينة (مجريط) مدريد اليوم، العاصمة الاوروبية الوحيدة التي أنشأها العرب. وعليه قدمت (الاندلس) فكرة مشروع اقامة الالعاب الاولمبية الموريسكية – ابن امية- في مدريد إلى عمدة المدينة السيد البرتو رويث غاياردون، ولتقام قبل نهاية هذا العام كمباريات ومنافسات أولمبية حقيقية حتى تأخذ دورتها كل عامين في السنوات المفردة، وتكتسب حقوقها الدولية.
إذ من المعروف ان السيد خوان انطونيو سامرانش رئيس اللجنة الدولية الاولمبية قد أعلن عام 2001 عن أهميتها وقال: (ان الالعاب الموريسكية –ابن أمية- تعتبر الحلقة المفقودة في تاريخ السلسلة الاولمبية وقد تم استعادتها بثوبها القديم المتجدد).
وإذ ننتظر ونأمل ان يبادر عمدة مدريد تبني هذه الفكرة والمشروع، فإن ذلك يعني أفضل تكريم وأطيب تخليد للأمة الموريسكية المنكوبة.في ذكرى طردها من اسبانيا. إذ حتى الآن لم تصل الانشطة لإحياء هذه الذكرى المئوية الرابعة لطرد الموريسكيين إلى مستوى هذا الحدث العظيم الجلل.∎

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s