كتاب د. يوسف زيدان الجديد قبل طرحه بالمكتبات «اللاهوت العربى وأصول العنف الدينى» كثير من الفكر كثير من الجدل

عن «المصري اليوم» تنشر عرضاً لكتاب د. يوسف زيدان الجديد قبل طرحه بالمكتبات «اللاهوت العربى وأصول العنف الدينى» كثير من الفكر كثير من الجدل (1)
________________________________________
قراءة نشوى الحوفى

ها هو يخطو خطوته الثانية فى عالم التنقيب فى تاريخ الديانات، مصرا على توضيح ما خفى منها بوثائق هو العالم بها، دون خوف من تكرار الجدل أو عودة الهجوم عليه. وإذا كان فى المرة الأولى نجح فى شحذ عقول البعض للعودة للتاريخ وقراءته بصورة مختلفة، وسن ألسن البعض الآخر للرد عليه فى حملة زادت من مبيعات روايته «عزازيل» التى صارت من أكثر الأعمال الأدبية العربية انتشاراً لتطبع خلال عام ونصف فقط 16 طبعة، منحته بعدها جائزة البوكر فى نسختها العربية للعام 2009،
فإن د. يوسف زيدان بكتابه «اللاهوت العربى وأصول العنف الدينى» الذى يستعد لطرحه فى الثالث والعشرين من شهر ديسمبر الجارى عبر دار نشر الشروق، يعرف يقيناً حجم ما ينتظره، ليس فقط من مسيحيى مصر الذين يحبون إطلاق لفظ «الأقباط» عليهم رغم تأكيده خطأ معناه الذى يعنى المصريين مهما كانت ديانتهم، حسب اللغة الهيروغليفية القديمة، ولكن من المسلمين واليهود أيضاً الذين يخوض د. زيدان بالبحث فى تاريخ ديانتيهم ليصبح ذلك اللاهوت حالة، يحاول بها مؤلفه تحريك عقول القراء ومنحها قدراً كبيرا من المعلومات التاريخية والتراثية، لا لتغيير معتقداتهم ولا درجة تقديسهم لما يؤمنون به، بل لكى يعيدوا التفكير فى مسلمات لم يمنحوا أنفسهم فرصة التفكير بها، وليعلموا أن الله واحد وأن الديانات الرسالية الثلاث ذات أصل واحد.
أهم ما يلفت النظر فى كتاب اللاهوت العربى هو منطقية العرض التى صاحبت صياغة الأفكار، فصاحبه لا يتحدث عن قناعة لديه إلا وأتبعها بما يدلل عليها، بشكل يمنح القارئ القدرة على التدبر فى سطور الكتاب حتى لو اختلف مع كاتبه فيه.
يتحدث عن رفضه توصيف الديانات الثلاث بـ«السماوية» ويسوق مبرره.. يرفض ما يقال عن إسلامية علم مقارنة الأديان، ذاكراً الأسباب، يؤمن بعد صحة المقارنة بين الديانات الثلاث بل دراسة ما يجمع بينها، مؤكداً أنها ما هى إلا ثلاثة تجليات لجوهر دينى واحد. وفى سياق كل هذا يطرح العديد من الرؤى الجديرة بالتأمل، من بينها على سبيل المثال عدم جدوى دراسة التراث الإسلامى أو المسيحى أو اليهودى بمعزل عما سبقها من تراث فى أزمنة سابقة كانت بمثابة مقدمة لها.
ونأتى للمضمون فنجد أن كتاب اللاهوت العربى يتضمن مقدمة قال د. زيدان إنها اشتملت على تمهيدات ضرورية، وستة فصول، وخاتمة فيها خلاصة ما تمت مناقشته فى الكتاب.
«مقدمة لابد منها»
من الممكن فى كثير من الأحيان لنا كقراء، تجاوز مقدمات الكتب على أساس أنها لا تحتوى فى الغالب إلا على بعض الأفكار الخاصة بالكاتب، أو بمن صدر لكتابه ورؤيته وما يجيش فى نفسه عن الكتاب. إلا أن مقدمة كتاب د. يوسف زيدان لا تمنحك ذلك الخيار، لتضمنها الكثير من الحقائق الخاصة بالديانات الثلاث،
وكيف أن مصطلح «اللاهوت العربى» الذى يطرحه المؤلف للمرة الأولى يتضمن نقاطاً مفصلية مهمة ومهملة، تجمع بين تراث الديانات الثلاث اليهودية والمسيحية والإسلام. شارحاً وجهة نظره من خلال طرح عدد من الأقوال، تبدأ بفكرة نرددها جميعا أصحاب الديانات الثلاث دون أن يكون لها أساس تستند عليه، ألا وهى «سماوية الدين»، فيقول إننا نطلق على تلك الأديان الثلاث وصف «سماوى» على الرغم من عدم لجوء علماء كل دين لاستخدام ذلك الوصف لا فى البدايات ولا فى الأواخر، لأن كل دين هو بالضرورة سماوى لغة واصطلاحا. وهو ما يفسره د. زيدان بالقول: «أصل كلمة سماء فى اللغة، هو العلو، ولا يقع معناه على شىء ملموس محدد وإنما على أى سقف مهما كان حتى لو كان سقف حجرة.
والتعبير الأدق أنها ديانات (رسالية) أتت للناس برسالة من السماء عبر رسول من الله أو نبى يدعو له، ولا يقتصر الأمر على ذلك بل يمتد للكثير من التعبيرات الأخرى، ومن بينها صفة (الوثنية) التى ألحقتها المسيحية بالديانات الأخرى التى تحتفى بالأصنام أو الأوثان، رغم أنه لا يشترط أن تكون كل الديانات التى تحتفى بالتماثيل وثنية، كالبوذية مثلاً التى تحتفى بأصنام بوذا ولكنها لا تقدسه للتعبد، ولا ترى فيه صورة حجرية للإله. والدليل عدم غضب البوذيين من إصرار حركة طالبان على تدمير تمثالى بوذا فى (باميان) منذ عدة سنوات».
وينتقل بك د. يوسف زيدان للتعريف الثانى فى مقدمته، والذى يؤكد فيه على الجذور الواحدة للديانات الثلاث، مدللاً على ذلك بأن إبراهيم، أو إبرام، هو أبوالأنبياء فى الإسلام فهو والد النبى إسماعيل جد النبى محمد، وهو جد المسيح ابن داود فى المسيحية، كما أنه أبوالأنبياء اليهود جميعاً. وأن الاختلافات التشريعية بين الديانات الثلاث ما هى إلا نتاج خلاف الزمن بينما الجوهر واحد، رغم اعتراف الدين اللاحق بما سبقه وتنكر الدين السابق بما لحقه. فمهما كان موقف المسيحيين الغاضب من اليهود الذين قدموا المسيح إلى بيلاطيس البنطى لقتله، حسب رواية الأناجيل، ومهما كان موقف الإسلام المدين لليهود لتحريفهم كلام الله وقتلهم الأنبياء بغير حق، فإن كلتا الديانتين اعترفت باليهودية، بينما لم تعترف اليهودية بهما.
ونأتى للتعريف الثالث فى مقدمة «اللاهوت العربى»، الذى قد يغضب بعض المسلمين، حيث يفند هذا التعريف علم مقارنة الأديان، المختص بمقارنة المفاهيم فى الأديان، كقضية الألوهية على سبيل المثال، مؤكداً عدم صحة الزعم الإسلامى بامتلاك هذا العلم، نافياً ما يقال عن تقديم علماء المسلمين الأوائل لهذا العلم بالمعنى المتعارف عليه. ما عدا ما قدمه أبوالريحان البيرونى والإيرانشهرى مغمور، باعتبار أنهما قدما تأريخاً جيداً للعقائد أو مقاربة للأديان.
بينما ما جاء فى تراث ابن حزم والشهرستانى والمسبحى وغيرهم، لا يعد إلا وصفاً عاماً لعقائد الفرق والجماعات الإسلامية وغير الإسلامية، كما أن هؤلاء المؤرخين كانوا مسلمين ينتمون لمذاهب دينية معروفة، وليس من السهل أن يتسم صاحب الدين بحيادية تامة تجعله ينصف أدياناً أخرى مخالفة لما هو عليه – كما يقول د. يوسف زيدان – ليس هذا فحسب، بل إن علم مقارنة الأديان فى الإسلام اعتمد على إبراز محاسن الإسلام وتفوقه على ما عداه من الديانتين الأخريين، وهو ما يتعجب منه د. زيدان بالقول: «ماذا لو كان الذى قارن بين الأديان غير مسلم؟ وهل يرى غير المسلم الإسلام إلا كما يرى المسلم الديانات الأخرى؟
وما الفارق بين علم مقارنة الأديان المزعوم، وعلم اللاهوت الدفاعى فى المسيحية؟ ولهذا كله لا أهتم بمضمون ذلك التخصص المسمى بعلم مقارنة الأديان، بل إننى على قناعة تامة بعدم صحة المقارنة بين الأديان الرسالية الإبراهيمية، والأصح المقاربة بينها، فالمتصل التراثى من اليهودية للإسلام يشهد على توالى الاتصال بين الديانات الثلاث، وإن كان لابد من مقارنة فليكن بين تلك الديانات وغيرها مما سبق عليها لأن هناك خلافا فى الجوهر، كالمقارنة على سبيل المثال بين الإسلام وإحدى ديانات الهند، أو بين اليهودية والديانة المصرية القديمة».
ثم تأخذنا المقدمة لجزئية الفرضيات الأساسية ومن بينها أن التراث الإسلامى لا يمكن فهمه من غير التعمق فى الأصول العميقة له والأسبق زمناً عليه، فهى مقدمات له وهو امتداد لها، وهو ما ينطبق على المسيحية واليهودية.
ثم يطرح د. زيدان فرضية أخرى مفادها أنه ليس بالضرورة تأثير الأسبق زمناً فى الأحدث منه بل يمكن العكس. فيؤثر اللاحق فى السابق حين يتعاصران، مثلما أثرت الأفلاطونية المحدثة فى التراث اليهودى الأسبق منها ظهوراً من خلال شرح فيلون السكندرى للتوراة وتأويله لنصوص العهد القديم، وهى التأويلات التى صارت مع الزمن تراثاً يهودياً.
ويطرح د. زيدان مثلاً آخر أشد وضوحاً بقوله: «لقد استكملت المنظومة الدينية اليهودية لذاتها اعتماداً على الديانتين التاليتين عليها (المسيحية والإسلام) بإدخال فكرة البعث أو القيامة وما يتعلق بها من أخرويات، وهو ما قد خلت منه النصوص اليهودية المبكرة (التوراة وأسفار الأنبياء الكبار) وتم إدخالها فى النصوص اليهودية المتأخرة (كالمشناة والجمارا اللذين يؤلفان معاً التلمود) ومن هنا صارت عقيدة البعث جزءاً رئيسياً من الديانة اليهودية».
ويخرج د. زيدان من تلك الحقيقة بفكرة التفاعل بين الديانات الثلاث الذى لم يقتصر على التعاقب الزمنى كما يقول، بل تعداه للتعمق فى أصل كل دين منها، وإلى عمليات جدلية تؤكد حقيقة الجوهر الواحد لتلك الديانات الثلاث.
ثم يتناول الفرضية الأخيرة فى جزء الفرضيات والمتعلقة باختلاف اللغات التى تعبر عن المفاهيم الدينية بشكل يوحى للبعض باختلاف المعنى، وهو ما ينفيه د. زيدان مؤكداً أن المعنى المراد واحد، مثلما الحال فى يسوع الذى هو عيسى، ويوحنا المعمدان الذى هو يحيى بن زكريا والعذراء القديسة التى هى الصديقة مريم ابنة عمران. وهنا يتحدث عن تدخل الدوائر بين الديانات الثلاث، لتكون التراثيات المتزامنة متفاوتة المساحة بحسب ما أعطاه هذا التراث أو ذاك لأهل زمانه. لتتماس تلك الدوائر أو تتداخل وفقاً للظروف.
وهو ما يوضحه الكتاب بعرض رسم لثلاث دوائر متداخلة، تتماس اثنتان منها فتعبران عن المسيحية والإسلام، وتتداخل بينهما الثالثة وتعبر عن العروبة التى عاشت – كما يقول المؤلف – مرحلتين، أولهما مطمورة يعنى بها الزمن السابق على الإسلام والمعروف خطأً بالعصر الجاهلى، وثانيهما مشهورة تعبر عن حياة العرب مع مجىء الإسلام.
يقول د. يوسف زيدان: «المنطقة المتداخلة فى الدائرتين المعبرتين عن المسيحية والإسلام، يعبر الجزء الأصغر منها عن المنطقة التراثية الحافلة التى ينتمى لها اللاهوت العربى، بينما يعبر الجزء الأكبر فيها عن امتزاج العروبة بالإسلام، ويبقى جزء من الإسلام تأثر بمؤثرات أخرى غير العروبة، من بينها المشاركة الفارسية التى ساهمت فى صياغة مفردات الحضارة الإسلامية التى تحولت لظاهرة اتسعت لغير العرب على اختلاف ديانتهم التى احتفظوا بها كالفرس والقبط والترك».
وتأخذك المقدمة بعد ذلك للحديث عن ضبط المفردات التى يؤكد وجوب التعمق فى دلالاتها لضبطها وتحديدها لتلافى الغموض أو سوء الفهم. كتلك الصيغ التى تكتب بها أسماء المشاهير والأعلام، منهم الأسقف نسطور (المرعشلى) الذى ولد بقرية مرعش قرب حلب، والأسقف تيودور، الذى يشار له أحيانا باسم ثيودوروس الموبسويستى، وأحياناً أخرى باسم «تيودور المصيصى».
إلى جانب تسميات المراتب والألقاب الكنسية. وهناك أيضاً الخلط بين الروم والرومان، فالروم هى التسمية العربية لأهل الإمبراطورية البيزنطية المسيحية التى ورثت مجد روما، وكانت عاصمتها بيزنطة المعروفة باسم القسطنطينية وهى عند المسلمين الأستانة عاصمة الخلافة العثمانية، بينما الرومان هم أصحاب الإمبراطورية الشهيرة فى روما.
ثم يعرج كاتب اللاهوت العربى لمسمى كتابه بالقول إن المسيحية لم تعرف اللاهوت قط إلا من خلال بعض المحاولات التى أرادت الانتقال بالفكر الدينى المسيحى من الاشتغال بحقيقة المسيح للانشغال بالذات الإلهية. وهى المحاولات التى رفضتها الكنيسة الأرثوذكسية فسمتها «هرطقات» أى مذاهب دينية منحرفة عن الإيمان القويم. ويشير الكتاب إلى أن تلك «الهرطقات» ظهرت فى منطقة الهلال الخصيب شرق البحر المتوسط والتى سادت فيها الثقافة العربية فى العصر المسيحى من قبل ظهور الإسلام بقرون، وأدت لصياغة الأرثوذكسية ذاتها وصيغ قانون الإيمان المتعددة.
وقد سعت هذه «الهرطقات» لإنشاء لاهوت مسيحى لكنها لم تنجح إلا بعد ظهور الإسلام الذى دعم «الهرطقة النسطورية» و«الهرطقة الأريوسية». ومما يؤكد تواصل المسيحية بالإسلام كما يقول د. يوسف زيدان أن تلك «الهرطقات» ظهرت فى محيط جغرافى محدد بين جماعة بعينها من الناس وهما المحيط والجماعة نفساهما اللذان ظهر فيهما بعد ظهور الإسلام علم الكلام أو علم العقيدة الإسلامية أو علم أصول الدين الإسلامى.. الفارق الوحيد أن المحاولات الأولى ظهرت فى إطار المسيحية قبل ظهور الإسلام، بلغات كانت سائدة فى ذلك الوقت كالسُريانية اليونانية، بينما المحاولات الثانية ظهرت فى إطار الإسلام وكتبت باللغة العربية.
ونسأل الدكتور يوسف زيدان، لم يصر على مد يده نحو عش الدبابير ولم وضع هذا الكتاب الشائك؟ فيجيب: «هناك مناطق فى التاريخ البشرى الفكرى لاتزال مغيبة وغامضة، بل من الممكن القول إنها ملغومة لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها، واعتاد الناس أخذ ما ورد لنا من تلك المناطق على علاته بما فيه من مفاهيم ومعان يتم التعامل بها كمسلمات، ولذا أردت مساعدة القارئ الواعى الباحث عن المعرفة، الراغب فى التعرف على حقيقة الدين، وتقديم رؤية تساعد فى التعرف على البحث اللاهوتى والدراسات الكلامية، رغم معرفتى بكراهية البعض مسبقاً لما فعلت».
«جذور الإشكال.. صفات الله فى التوراة»
هكذا جاء عنوان الفصل الأول فى اللاهوت العربى، حيث يتناول هذا الجزء العديد من الإشكاليات التى وردت فى التوراة كحقائق، اعترفت بها المسيحية اعترافا كاملا، بينما نظر لها الإسلام بعين التشكك باعتبارها محرفة عن نصها الأصلى.
ومنها إشكالية «صورة الله». فالتعدد فى تلك الصورة لا يقف عند حد أسماء الله، ومنها «آدوناى، الرب، يهوه، ياهو، إيل، إلوهيم»، ولكنها تمتد إلى طبيعة الله وصفاته، ليظهر الله داعيا للخير والفضائل تارة، وأخرى مقدماً على أفعال الشر والعنف والانتقام، كما فى العبور أو الفصح، حينما نشر الله الرعب فى مصر إرضاءً لشعبه المختار.
ويستدل د. زيدان على هذا بآية من التوراة جاءت فى صورة خطاب إلهى لليهود فى مصر يأمرهم فيها بأن يذبحوا خرافاً ويضعوا دمها علامة على أبواب بيوتهم، ثم يقول: «فإنى أجتاز فى أرض مصر هذه الليلة وأضرب كل بكر فى أرض مصر من الناس والبهائم، وأصنع أحكاماً بكل آلهة المصريين، أنا الرب ويكون الدم علامة على البيوت التى أنتم فيها فأرى الدم وأعبر عنكم فلا تكون عليكم ضربة الهلاك حين أضرب مصر».
هنا يتوقف د. زيدان للتعليق بالقول: «وكأن الرب التوراتى المفترض فيه التعالى عن كل نقص، بحاجة لعلامة بصرية كى يميز بين بيوت أحبائه من اليهود حتى لا يضرهم سهواً بتلك النيران الإلهية الصديقة التى سوف تهلك أهل مصر؟».
ويتواصل عرض الدكتور زيدان لصفات الله التوراتية التى أظهرت الله فى بعض المواقع غاضباًً غيوراً من أبناء الله المفتونين بالنساء، أو حزيناً نادماً على خلق الإنسان فى الأرض، ثم حزينا نادماً على خسفه الأرض بالإنسان بالطوفان، أو قلقاً لأكل آدم من شجرة المعرفة فبات عارفاً مثل الإله، والله التوراتى يغار ويحقد على البشر ولذا فعندما يراهم يبنون حضارة بابل وبرجها الضخم ويتكلمون لغة واحدة، يغتاظ وينزل عليهم ويقرر بلبلة لسانهم ليتفرقوا فى الأرض ويتحدثوا لغات مختلفة لا يفهمونها، فيكفوا عن بناء المدينة التى تسمى بابل لأن الرب بلبل لسان كل الأرض كما جاء فى سفر التكوين الإصحاح الحادى عشر. ليس هذا فحسب بل تظهر التوراة الإله ضعيفاً يغلب عند مصارعة النبى يعقوب له كى يباركه ويمنحه النبوة بعدما اتخذ فى الصراع صورة بشرية كما فى سفر التكوين.
لا تقف تحليلات «اللاهوت العربى» عند صفات الله وقدرته فى التوراة، ولكنها تمتد لما هو أعمق منها حين تتناول حقيقة مهمة، مفادها أن ما يطرحه القصص التوراتى لا يقتصر خطورته على ما يطرحه من صفات بشرية يصعب إلحاقها بالذات الإلهية، ولكنها تمتد إلى قلب منظومة القيم الإنسانية التى نادت بها الحضارات البشرية والديانات الرسالية، حيث صار القتل مقبولاً والزنا بالمحارم كما فى قصة النبى لوط مع ابنتيه جائزا.
ليس هذا فحسب بل إن القصص التوراتى طرح إشكالية ثالثة حين جعل الله تعالى ملتصقاً بالأرض لا فى السماء يعيش فى خيمة قرب الإنسان، ليس على المطلق ولكن الإنسان اليهودى المولود من أم يهودية فقط، لأن الله فى التوراة لا يعبأ بغير اليهود الذين ينظرون لغيرهم من البشر على أنهم «أمميون» ناقصو الأهلية الإنسانية. وهو ما يقول عنه د. زيدان: «بتلك النظرة صار الرب مملوكاً لليهود دون غيرهم من بنى البشر، يتعامل معهم من دون بنى آدم، منهمكاً بحضوره بينهم فى الخيمة الأرضية التى عاشوا بها وهو ما عالجته المسيحية حينما توافقت مع اليهودية فى البداية وقالت إن الله يعيش مع الإنسان فى الأرض، ثم رفعته ثانية إلى السماء حيث الموضع الذى يليق به».
يذكر كتاب «اللاهوت» أن المسيح فى العقيدة الأرثوذكسية، هو الرب الكامل والإله المتجسد، وهو هو. وهو المصطلح الذى ظهر أثناء المناقشات الحامية بين الكنائس الكبرى قبل ظهور الإسلام، عند مناقشة طبيعة السيد المسيح «يسوع، عيسى، كريستوس، خريستو» ثم ظهر مصطلح «الهو هو» عربياً بعد الإسلام،
وتوسع المعتزلة فيه حتى صار نظرية كلامية تعالج مشكلة الصفات الإلهية عند المسلمين كما يقول د. زيدان الذى يرى أن الشروح والتأويلات التى قُدمت عبر تاريخ اليهودية من أجل إبقاء القداسة على تلك النصوص التوراتية كانت أبطأ فى الانتقال من اللغة التى كتبت بها التوراة، وهو ما أثر فى الانتباه لخطورة تلك النصوص. ليبقى الإشكال الذى طرحه القصص التوراتى قائماً غير مقبول لدى غير المؤمنين به حتى مجىء المسيحية.

قبل طرحه فى المكتبات «2» .. يوسف زيدان: المسيحية بدأت امتدادا لليهودية ثم قدمت نفسها للعالم كحركة إصلاح
________________________________________

قراءة نشوى الحوفى
مع مواصلة الخوض فى أوراق فصول كتاب «اللاهوت العربى وأصول العنف الدينى» لكاتبه الدكتور يوسف زيدان رئيس مركز المخطوطات بمكتبة الإسكندرية، يتعمق لديك الإحساس بإشكالية ما يبثه من معلومات على صفحات مؤلفه، لا لكونها المرة الأولى التى تصطدم فيها بنوعية الحقائق التى يتضمنها الكتاب، ولكن أيضاً لما تطرحه من أفكار جدلية تجبرك على التفكير فيها بحرص شديد فتفتح أمامك آفاقا جديدة من الممكن أن يكون تعاملك معها فى السابق كمسلمات، إلا أن قدراً من التسامح وآخر من الحياد وثالث من الرغبة فى الفهم يمكنك من التفكير فيما يطرحه من أفكار بعقلانية دون أى التزام منك بتغيير ما تؤمن به سواء كنت مسلماً أو مسيحياً أو حتى يهودياً، وإن لم تقتنع بما جاء فى الكتاب فحاول أن تبحث عن إجابات لما يثيره من تساؤلات، تزداد مع بدء الفصل الثانى للكتاب.
والسؤال: هل تعتبر المسيحية امتداداً لليهودية، أم أنها ديانة مختلفة عنها فى الشكل والجوهر؟ هذا ما يجيب عنه دكتور زيدان منذ بداية الفصل الثانى، حين يذكر أن المسيحية طرحت نفسها فى البدايات كامتداد للديانة اليهودية، ثم تطورت بمرور الوقت لتقدم نفسها للعالم على أساس أنها حركة إصلاح وتصحيح عام لليهودية.
ويسرد الكتاب كيف انتظر اليهود ذلك «الماشيح» أو المسيح الذى سيتحقق مع قدومه وعد الرب لنبيه إبراهيم بامتلاك شعبه المختار وأبنائه المفضلين للأرض، من نيل مصر إلى نهر الفرات، ومن شدة تلهف اليهود على ظهور هذا المسيح الذى كانوا يحلمون بأن يخلصهم من موجات القهر والعنف التى تعرضوا لها، كثر أدعياء النبوة بينهم، وهو ما دعا النبى «ميخا»، أحد الأنبياء الصغار الاثنى عشر الذين أختتم بأسفارهم العهد القديم، إلى القول فى سفره الحزين: «لا تأتمنوا صاحباً، ولا تثقوا بصديق، احفظ أبواب فمك عن المضجعة فى حضنك، لأن الابن مستهين بالأب، والبنت قائمة على أمها، والكنه على حماتها، وأعداء الإنسان أهل بيته».
وهكذا يجىء يسوع المسيح بعد طول انتظار من اليهود ولكنهم لم يقدسوه كما كان متوقعاً، بل تعاملوا معه بذات الأسلوب الذى عرفوه مع من سبقه من أنبياء، حتى إن الروايات المسيحية المتأخرة تحكى أن أحبار اليهود اختبروا فى المعبد الكبير بأورشليم صحة دعوة المسيح، عبر التأكد من صحة نسب أمه مريم اليهودى، ووالده يوسف النجار الذى تزوج أمه بعد ميلاده، وأدركوا أنهم أمام معجزة إلهية، وبعدها حاولوا صرفه عن دعوته فلم ينصرف، فهددوه فلم يهتد ولم يسمع لهم، فسلموه للرومان ليصلبوه.
«لم أرسل إلا لخراف بيت إسرائيل الضالة».. هكذا قال المسيح عيسى بن مريم لتلاميذه عند بدء دعوته، وهى عبارة يستدل بها دكتور زيدان على أن المسيحية كانت امتداداً للديانة اليهودية، بينما قام تلاميذه المعروفون فى المسيحية بالرسل، وفى الإسلام «بالحواريين» بنشر رسالته للأمم كلها مبشرين بخلاص الإنسان، بينما صعد المسيح مرة أخرى للسماء ليزداد الجدل حوله وحول طبيعته.. هل هو البشر النبى ابن الإنسان الذى جاء بالبشارة، أم هو الله بذاته نزل إلى الأرض حيناً ثم عاد ثانية للسماء؟
قبل الخوض فى تلك المسألة الشائكة وعرض وجهتى النظر التاريخيتين فيها، يشير دكتور زيدان إلى خلاف آخر نشأ بين المؤرخين الكنائسيين حول توقيت ظهور الأناجيل، وترتيب ظهورها زمنياً، مؤكداً أن أقدم مجموع للعهدين القديم والجديد يعود زمن كتابته إلى منتصف القرن الرابع الميلادى، وهو محفوظ الآن فى الفاتيكان ويعرف باسم لاتينى هو «كودكس فاتيكانو»، إلا أن الحقيقة الواضحة لمؤلف (اللاهوت) هى أن كثرة الأناجيل قبل اعتماد الأربعة الشهيرة منها «متى، مرقص، لوقا، ويوحنا»، وما تضمنته من تعبيرات مجازية، كانت ذات تأثير مباشر وقوى فى نشوب الجدل حول ماهية وطبيعة السيد المسيح، وبمعنى آخر بشريته «الناسوت، وربوبيته (اللاهوت)»، إلا أنه وبعد الاعتراف بالمسيحية كواحدة من ديانات الإمبراطورية الرومانية فى مرسوم ميلانو عام 313 ميلادية، تم إرساء نظم وتحديد اعتبارات تكفل الحفاظ على تلك الديانة، وكان ذلك فى مجمع «نيقية» المسكونى فى القرن الرابع الميلادى، واجتمع فيه 318 أسقفا من أنحاء المعمورة، قرروا فيه ما عرف باسم «قانون الإيمان» الذى تعدل أكثر من مرة لمواجهة ما عرف باسم «الهرطقات»،
وكانت صيغته الأولى تنص على: «يسوع المسيح ابن الله الوحيد، المولود من ألآب قبل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود من غير مخلوق، مساو للأب فى الجوهر، الذى به كان كل شىء، الذى من أجلنا نحن البشر ومن أجل فلاحنا، نزل من السماء، وتجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء، وتأنس وصلب عنا على عهد بيلاطس البنطى، وتألم ودفن وقام فى اليوم الثالث».
وتبع ذلك الإعلان لقانون الإيمان بعدة سنوات، تشكيل لجنة دينية فى العام 331 ميلادية، مهمتها التفتيش عن وإعدام الأناجيل الكثيرة غير الأربعة المشهورة السابق ذكرها، وقد تم حفظها والاعتناء بها وتداولها على نطاق واسع مع الرسائل المسماة أعمال الرسل، وهو ما عرف بالعهد الجديد، تمييزاً له عن العهد القديم، ليكونا فى مجموعهما «الكتاب المقدس».
ويقول دكتور يوسف زيدان: «المتأمل فى قانون الإيمان وإنجيل متى، يدرك أن الإيمان المسيحى ينطلق من المسيح الذى ترتبط الديانة كلها به، ومنه اشتقت اسمها فى كل اللغات، حتى إننا نجد أن إنجيل متى يبدأ بذكر ميلاد يسوع المسيح بن داود بن إبراهيم، ونسبه ومعجزة مولده وطفولته وهروب يوسف النجار به إلى مصر هو وأمه، من بطش هيردوس ملك اليهودية الباحث عن الصبى ليهلكه، رغم أن المخطوطات تؤكد موت تلك الشخصية قبل ميلاد المسيح بأربع سنوات. ثم يواصل الحديث عن معجزات المسيح وأقواله وأحكامه التى وضعها للناس ومكر اليهود به دون أية إشارة للإلهيات التى هى أصل كل دين، وكأن المسألة برمتها هى (المسيح) لا (الله) أو كأنه (هو هو).
لقد صار المسيح هو الديانة نفسها، ومن الإقرار بإلوهيته، يُستهل قانون الإيمان الأول، وشيئاً فشيئاً أصبح المسيح معادلاً موضوعياً لله، ثم صار فى اجتهادات الآباء الأوائل الأرثوذكس الله الذى غاب وناب عنه المسيح، هنا أمسى كل ما هو إلهى متعلقاً بالمسيح، لتختفى إشكالية صفات الله التى طرحتها اليهودية، وليصبح الإيمان القويم هو الإيمان بالمسيح الذى هو الله، وبات التشكيك فى إلوهيته لا يعنى سوى شىء واحد هو الكفر، أو الهرطقة بالتعبير المسيحى».
ما زلنا نسير فى تلك المناطق الملغومة، فى تاريخ الديانات البشرية كما يقول دكتور زيدان، وإن كنتَ استشعرتَ كقارئ بالمفاجأة لما سبق طرحه، فانتظر فالبقية المقبلة تحوى الكثير من الأفكار التفسيرية لقصة الجدل الذى نشب بين الكنائس حول طبيعة المسيح عليه السلام. حيث يبدأ طرح تلك الأفكار فى الفصل الثالث الذى يحمل عنوان «النبوة والبنوة» وهو الفصل الذى يبدأ بشرح الفروق بين الكنائس الغربية، ويقصد بها غرب فلسطين التى انتشرت من خلالها المسيحية، أى مصر و اليونان، والكنائس التى كانت تقع شرق فلسطين فى الجزيرة العربية والهلال الخصيب، ليبرهن على صحة المقولة الخاصة بتأثر الديانات بما سبقها من تراث، بالإضافة إلى البيئة التى بزغت فيها.
ويبدأ دكتور زيدان بالمنطقة الغربية مثل مصر واليونان والبحر المتوسط، حيث الفلاسفة والعلوم والديانات المتعددة التى سرعان ما اختفت مع انتشار المسيحية، ليطلق عليها وصف «وثنية»، ويسود منطق الكنيسة القبطية الخاص بإلوهية المسيح، والسبب كما يطرحه دكتور زيدان، هو أن مصر واليونان بلاد عايشت الكثير من الديانات التى كانت لا ترى إشكالية فى الجمع بين الربوبية والبشرية، بين اللاهوت والناسوت، ولا ترى أزمة فى تأليه الإنسان وتأنيس الإله، فالملك الفرعون فى مصر القديمة هو ابن الشمس أو ابن الإله، القابل للتأليه هو الآخر،
كما حدث مع الإسكندر الأكبر عندما زار معبد آمون بواحة سيوة فأعلنه الكهنة هناك إلهاً، إلى جانب أسطورة إيزيس التى أنجبت حورس الإله من أوزوريس من دون معاشرة بينهما، كما نجد فى حكايات الإلياذة والأوديسة الكثير من القصص عن تلاحم البشر بالآلهة، ومعاشرة آلهة جبال الأوليمب، خاصة كبيرهم زيوس، للنساء ليلدن أنصاف آلهة، وهكذا نجد أنه من الطبيعى أن تتأثر رؤية الكنائس فى تلك المناطق حول طبيعة السيد المسيح بما لديها من تراث عاشوا يؤمنون به لسنوات طويلة قبل انتشار المسيحية.
أما فى منطقة الهلال الخصيب والجزيرة العربية فالأمر مختلف، كما يقول دكتور زيدان، فالديانات فى تلك المنطقة كانت تعلى من قدر الآلهة، وتتصورهم مفارقين للعالم البشرى، رغم أنهم صوروها فى هيئة أصنام تعبر عن صورة الآلهة.. كانت المسافة بين الإنسان والله شاسعة فى فكر ديانات شبه الجزيرة العربية ومنطقة الهلال الخصيب، وهو ما يتضح على سبيل المثال فى صورة الآلهة التى صورتها ملحمة «الأنو ماإيليش» السومرية،
وكما حدث فى الملحمة البابلية «جلجاميش» وأكدت أن الإنسان بشر، مقدر عليه الفناء، بينما لا بقاء للأبد سوى للآلهة فقط، ليس هذا وحسب بل إن ثقافة تلك المجتمعات كانت تحتفى دوماً بالحكماء من البشر، وبالكهنة الملهمين من الآلهة وبالأنبياء، وهى شخصيات نظر لها أهل تلك المنطقة على أنهم أدلاء يعرفونهم بالآلهة، ولكنهم لم يتعاملوا معهم بصفات إلهية،
ويشير دكتور زيدان فى تلك الجزئية إلى أن النزوح العربى لتلك المناطق بدأ منذ أواخر الألف الثالثة قبل الميلاد، مؤكداً أن العقلية العربية مهما بلغ الاختلاف حولها، إلا أن الواقع والتاريخ يؤكدان أنها عقلية براجماتية تعنى بالعقل ولا تنزع للتفلسف النظرى العميق، ولا تفهم مسألة التداخل بين البشر والآلهة كما فى مصر واليونان، ليس هذا وحسب، كما يعلق دكتور زيدان فيقول: «لم تُعنَ الثقافة العربية بتلك الفروق الواسعة الفاصلة بين البشر والآلهة وحسب، ولكنها فرقت وبشكل حاسم بين ثلاثة معان محددة هى (النبوة، والربوبية، والإلوهية)، موضحة أنه لا يجوز الجمع بينهم أو التداخل،
فالنبوة على إطلاقها تكون للبشر، والربوبية مشتركة بحسب إطلاقها معرفة فى حق الخالق أو مضافة كصفة للمخلوق، بينما الألوهية لله وحده، وإلى جانب اللغة فإن الثقافة العربية اهتمت وبشدة بقصة الأنساب، وأعلنت قانون أن الولد للفراش، لذلك فالعقلية العربية تقبلت أن تلد العذراء المسيح دون زواج، على أساس أنها معجزة، والمعجزات جزء من النبوة، لكنها لم تستسغ أن يترتب على ذلك أن يكون المسيح هو ابن الله، اللهم إلا على سبيل المجاز، كما يقال إن اليهود هم أبناء الله، أما التطرف فى جعل الإنسان إلهاً فلم يكن مقبولاً لدى تلك العقلية وبخاصة أن هذا الإنسان تعذب وصلب وقتل مصلوباً، هذا شىء ترفضه تلك العقلية التى اعتادت أن تردد الله غالب».
ينتقل بك الكتاب بعد ذلك إلى تفاصيل مفهوم كل جانب عن طبيعة السيد المسيح، ويؤكد الكاتب أنه على الرغم من أن الإيمان الأرثوذكسى اعتبر كل من يقول بغير ألوهية المسيح كافراً، إلا أنه لم يرد بالأناجيل كما هو مكتوب أن المسيح استنكر من اعتبره إنساناً نبياً، وهو ما أشار له الأب متى المسكين، أحد أجلاء آباء الكنيسة القبطية المعاصرة، فى شرحه لإنجيل مرقس حيث قال ما نصه: «المسيح سأل تلاميذه من يقول الناس إنى أنا؟ فلما قالوا: واحد من الأنبياء. لم ينكر على الناس قولهم، ولكن التفت لتلاميذه وهم المؤمنون به وسألهم: وأنتم من تقولون؟ فقال بطرس: إنك هو المسيح ابن الله الحى، تهلل يسوع بالروح وقال أحمدك أيها الآب ورب السماء لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء وأعلنتها للأطفال»، ورغم ذلك فإن جوهرية ألوهية المسيح لدى الأقباط ظهرت واضحة فى رسالة البابا القبطى الرابع والعشرين «كيرلس عامود الدين» الذى كان كبيرا لأساقفة مدينة الإسكندرية وعموم مصر والحبشة وليبيا منذ عام 412- 444 ميلادية،
وهى الرسالة المعروفة باسم «أناثيميا» وهى كلمة يونانية تعنى اللعنات وكتبها لدحض عقيدة نسطور عندما شكك فى كون مريم العذراء هى أم الإله، وقال فيها: «إن الكلمة اتحد بالجسد أقنومياً، فإننا نسجد لابن واحد الرب يسوع المسيح، نحن لا نجزئ ولا نفصل الإنسان عن الله ولا نقول إنهما متحدان الواحد بالآخر، بل نعترف بمسيح واحد فقط الكلمة من الله الآب مع جسده الخاص.. المسيح واحد هو ابن ورب فهو إله الكل ورب الجميع، لا هو عبد لنفسه ولا سيد لنفسه.. لأن الرب يسوع المسيح هو واحد حسب الكتب.. ومن لا يعترف أن عمانوئيل (يسوع المسيح هو الله بالحقيقة فليكن محروماً)».
ويعلق دكتور زيدان على كل ما سبق بالقول: «لكل ما سبق نقول إن ما يسمى فى التراث المسيحى باللاهوت إنما هو لاهوت لا يتعلق بالله ذاته بل بالمسيح الذى صار الله حين صارت الكلمة جسداً بحسب الفهم الأرثوذكسى لطبيعة يسوع، وهو الفهم الذى سيطر على تاريخ الكنيسة القبطية فظلت تؤكد عقيدتها فى لاهوت المسيح ليومنا هذا. حتى الهرطقات لم تكن تتناول فى مضمونها الذات أو الصفات الإلهية ولا طبيعة الله ولا كنهه، لأن تلك الأمور لم تكن هى موضع الإيمان أو الكفر اللذين ارتبطا فى الأساس بالمسيح أو الأقنوم الثانى فى ثالوث الآب والابن والروح القدس».
وهكذا يبدأ دكتور زيدان فصله الرابع فى كتابه اللاهوت العربى الذى يؤكد فيه أن الأرثوذكسية كانت ترى فى الهرطقات خطراً شديداً على المسيحية أكثر من اليهودية والوثنية اللتين نجحت فى القضاء عليهما تدريجيا ومحاصرتهما من خلال كتابات الآباء فى الكنيسة، ومن خلال بعض المناوشات والمعارك المحدودة معهم فى روما والإسكندرية وأنطاكية وبيزنطة، بينما كان الهراطقة يشعرون فى قرارة أنفسهم بأنهم مؤمنون أتقياء، وأنهم لم يخرجوا بأفكارهم عن حظيرة الإيمان وانهم يقولون الحق الذى استخلصوه من النصوص الإنجيلية.
بعد ذلك يستعرض دكتور زيدان فى كتابه أشهر المهرطقين، وفى مقدمتهم «إبيون» الذى وصفه بأنه رجل غامض عاش فى الأردن ونسبت له «الإبيونية» التى هى جماعة يهودية الأصل كانت تؤمن بأن يسوع المسيح هو «الماشيح» وهو المخلص أو المهدى اليهودى المنتظر، وبالتالى فهو نبى كغيره من الأنبياء،
ثم ذكر «بولس السميساطى» الأسقف الأنطاكى وعاش فى القرن الثالث الميلادى تحت حماية زنوبيا ملكة تدمر العربية، وكانت أفكاره تتمحور حول نقطة وحيدة مفادها أن يسوع المسيح بشر مخلوق ولا ألوهية له، ثم يأتى القسيس الأنطاكى الخدمة، والشامى الثقافة «لوقيانوس»، فى قائمة المهرطقين وقد استشهد فى عام 312 ميلادية وتدور هرطقته حول حقيقة أن الله واحد لا مساوى له، وأن كل ما هو خارج عنه تعالى فهو مخلوق، ولذا فالكلمة مخلوق والحكمة مخلوق، ولأن يسوع ابن الله ابن الإنسان جاع وعطش واضطرب لذا فهو إنسان حقيقى عرّفنا بالله.
وبعد هؤلاء يجىء ذكر «آريوس» الذى تعده الأرثوذكسية الطامة الكبرى فى الهرطقات كما يقول دكتور زيدان، حيث ينظر الأرثوذكس الأقباط له باعتباره عدو المسيحية الأول، ليس هذا وحسب بل كل من يؤمن بما قاله أيضاً ومن هؤلاء الأسقف «جورجيوس الكبادوكى» الذى أرسلته العاصمة الرومانية ليكون أسقفاً للمصريين، فثاروا عليه فى الإسكندرية واعترضوا طريقه فى شوارعها وقتلوه ومثلوا بجثته لمجرد أنه كان يميل للأفكار الآريوسية التى حرق وأعدم كل ما دل عليها من أوراق فلم يبق منها أثر، وكانت عقيدته تدور حول أن الله خلق المسيح الابن من العدم، لم يكن قبله الابن موجوداً ولا كان الله قد صار بعد «آب» لأنه صار كذلك حين خلق الابن، وبالتالى فالابن لا يساوى الله فى الجوهر، ويسوع هو المسيح وليس الحكمة ولا الكلمة «اللوجوس» لأنهما صفتان إلهيتان لا تتوقفان عند مخلوق، وإلا صار الله عرضة للتغيير مثل الخلائق.
ثم يتوقف دكتور زيدان عن سرد قائمة المهرطقين ليعلق على بعض ما نادوا به من أفكار، يقول عنها: «مع أن آريوس وسابقيه ولاحقيه الذين أنكروا ألوهية المسيح بهدف الحفاظ على وحدة وتعالى الذات الإلهية، وتأكيد حرية الإرادة الإنسانية بعيداً عن الوساطة الكهنوتية، كانت لديهم أسانيد كثيرة مستقاة مباشرة من الكتاب المقدس الذى وصف فيه المسيح بابن الإنسان،
إلا أن كنيسة الإسكندرية التى تبعتها فى زمن آريوس معظم الكنائس الأخرى، شنت على آريوس حربا شعواء دفاعاً عن عقيدتها، بدأت بانعقاد مجمع مسكونى فى نيقية سنة 325 ميلادية تم فيها حرم آريوس وعزله ونفيه إلى دير فى إسبانيا. ورغم ذلك لم تهدأ الأمور فى الشام فأرسل الإمبراطور قسطنطين الكبير إلى آريوس يدعوه للقسطنطينية للتوفيق بينه وبين أسقف الإسكندرية (إسكندر) ليموت آريوس فجأة عند أطراف القسطنطينية عام 336 ميلادية، مما دعا البعض للقول إنه مات مسموماً».
ويواصل دكتور زيدان قائمة المهرطقين الذين حاربتهم الكنيسة الأرثوذكسية ومنهم المفكر الكنسى «مقدونيوس»، وأسقف اللاذقية «أبوليناريوس»، و«نسطور» الذى اعتلى كرسى الأسقفية فى القسطنطينية سنة 428 ميلادية، ووزع منشوراً على الناس يحظر عليهم تسمية مريم العذراء بلفظ «ثيو تو كوس»، أى والدة الإله، وذلك لأن الإنسان الذى هو مريم لا يمكن أن يلد الإله.
ويخصص دكتور زيدان جزءاً من أوراق كتابه لسرد قصة الصراع بين الأسقف السكندرى «كيرلس» و«نسطور» الذى يرى دكتور زيدان أنه لم يقتصر وحسب على طبيعة المسيح البشرية أو الألوهية، لكنه كان صراعاً سعت فيه كنيسة الإسكندرية لتأكيد سلطتها على كنائس العالم، كان صراعاً بين الإسكندرية والقسطنطينية على المكانة والترتيب الهرمى للكنائس الأربع الكبرى آنذاك.
ويقول دكتور زيدان: «هكذا ظل العالم المسيحى حتى ظهور الإسلام، حيث كان هناك شعور يقينى أنه لابد من إيجاد حل لاختلال واختلاف العقائد المسيحية ما بين الصيغ المتعددة لقانون الإيمان، ورسائل الحرومات، وبنود اللعنات التى يصبها الكل فوق رأس الكل. وفى هذه اللحظة المسيحية الحرجة نزل القرآن».
د. «يوسف زيدان» فى حوار عن كتابه «اللاهوت العربى»: لم أسع للانتقاص من أى دين.. لكننى فقط أرمّم الذاكرة

«المصري اليوم» تنشر الحلقة الأخيرة من عرض كتاب «اللاهوت العربى وأصول العنف»: لا يمكن فصل الدين عن السياسة.. والعلمانية «وهم» فى أذهان من ينادون بها

قراءة نشوى الحوفى ١٣/ ١٢/ ٢٠٠٩
ها نحن انتهينا من فصول الكتاب، الذى وكما بدأه دكتور يوسف زيدان بمقدمة لابد من قراءتها، ينهيه بخاتمة لابد من المرور عليها والتوقف عندها، لا لكونها تحوى ملخصاً سريعاً لما عرضه من أفكار، ولكن لتضمنها موقفه الخاص عن علاقة الأديان بالعنف وعلاقة الدين بالسياسة، عارضاً فيها أربعة «أقوال» يعبر كل منها عن فكرة تشغل فكره.
يدور الأول منها حول «سبب ظهور علم الكلام» عند المسلمين، وفيه يعود دكتور زيدان ليؤكد نفى نسب هذا العلم للمسلمين كما راق للكثيرين القول، مفنداً ما ذكروه من أسباب داخلية وخارجية أدت لظهوره.
ومن بين الأسباب الداخلية التى يتحدث عنها العلماء ويرون أنها كانت سبباً فى ظهور هذا العلم، انشغال المسلمين بعدد من القضايا، فرضها الواقع الدينى فى القرن الأول الهجرى وما ترتب على ذلك من إثارة لمسائل عقائدية، مثل الصراع بين على بن أبى طالب ومعاوية بن أبى سفيان الذى طرح وبقوة فى المجتمع الإسلامى مسألة «الإمامة».. لمن تكون وصفات من يقوم عليها.. وقضية «مرتكب الكبيرة» التى أفرزها التطبيق المتشدد للشريعة الإسلامية من قبل الخوارج.
أما الأسباب الخارجية لظهور علم الكلام، كما يقول المتمسكون بإسلاميته، فيلخصها دكتور زيدان بالقول إنه ترتب على الفتوحات الإسلامية للعديد من البلدان ومن مختلف الثقافات مجادلات ونقاشات بين المسلمين وأهل تلك البلاد حول حقيقة الدين ودلائل نبوة رسول الإسلام وارتباط الإيمان بالأديان، وغيرها من القضايا الإيمانية التى انبرى علماء المسلمين للدفاع عن الرؤية الإسلامية لها.
ثم يعلق دكتور زيدان مرة أخرى بالقول: «لم ينتبه علماء المسلمين ولا المستشرقون من البلاد الأخرى إلى أن علم الكلام كان امتداداً لعلم اللاهوت العربى، وذلك لأنهم لم يلحظوا أهمية الجغرافيا فى تلك المسألة وارتباط هذا العلم كما قلنا بمنطقة العراق والشام. وكيف أن الصفات الإلهية كانت محوراً لهذا العلم».
ثم ينتقل الدكتور يوسف زيدان إلى القول الثانى ويحمل عنوان «التأثير والتأثر» مؤكداً فى اعتقاده أن سبب غياب فكرة تأثر علم الكلام بعلم اللاهوت العربى لدى العلماء المسلمين يعود إلى نفيهم تأثر آباء الكلام، من المسلمين، بمن سبقهم من المسيحيين وكأن الفكر الإنسانى يطفر فجأة من الفراغ، بالإضافة إلى تشويش بعض المستشرقين على الحقائق الخاصة بتأثر علم الكلام باللاهوت العربى، وذلك لنفى الأصالة عن المسلمين.
وهو ما يعلق عليه بالقول: «من سخرية الوقائع بين الطرفين أنه كان كلما قال أحد علماء المسلمين بفكرة أو نظرية ما، سارع المستشرقون بالبحث عنها فى تراثهم اليونانى أو اليهودى أو المسيحى لنفى الإبداع عن المسلمين، فيسارع المسلمون بالرد عليهم لإثبات عبقرية المسلمين، وهكذا حتى امتد الأمر لكل فروع العلوم، كل طرف ينفى إمكانية تأثر وتأثير كل منهما فى الآخر».
ويأتى قول دكتور زيدان الثالث، والذى يتحدث فيه عن علاقة الدين بالسياسة، فيقول بعدم إمكانية فصل الدين عن السياسة كما ينادى البعض فيما اشتهر باسم «العلمانية» التى كانت تشير فى اليهودية إلى اليهودى غير المتدين الذى يظل رغم عدم تدينه يهودياً لكونه مولوداً من أم يهودية، وتعبر فى المسيحية عن الاتجاه المعنى بالعمل فى العالم لا بالخدمة الكنسية ومن دون إدانة للعلمانى المسيحى، وصارت تعنى لدى المسلمين مرادفاً للإلحاد والكفر والزندقة.
ثم يبدأ دكتور زيدان فى سرد مبرراته التى تنفى عدم فصل الدين عن السياسة فى التاريخ البشرى، بدءاً من اليهودية التى ظل الواقع السياسى فيها يوجه الدين وهو ما ظهر فى كتابة التوراة بعد العودة من السبى البابلى، وانتظار المهدى المخلص لهم من ظلم وقهر الرومان «الماشيح»، حتى دولة إسرائيل قامت على أساس دينى بحت، فما إسرائيل إلا الاسم المعدل للنبى يعقوب الذى غالب الله فغلبه كما تقول التوراة وما سعيهم اليوم لقتل الفلسطينيين وإجلاؤهم عن الأرض إلا تنفيا لأمر إلهى قديم «اقتل كى تكون».
ثم يستشهد الدكتور زيدان بواقع الإسلام، مؤكداً أن الدين لم يكن لينتشر لو ظل المسلمون قلة مستضعفين ولو لم يبادروا بتأسيس الدولة والتشريع لها عبر حروب بدأت بالمشركين وانتهت بالفتح الإسلامى، ومعاهدات جوار وكتابة مراسلات للملوك، وهو ما يؤكد حقيقة أنه لولا الدولة ما كان الدين.
أما عن علاقة السياسة بالدين المسيحى فيؤكد دكتور زيدان أن المسيح قال إن مملكته ليست فى هذا العالم وإنه جاء ليدعو إلى ملكوت السماء، ولكن انتشار المسيحية بين أرجاء الإمبراطورية الرومانية جعل للدين علاقة قوية بالسياسة، فلا يمكن التأريخ للمسيحية بعيداً عن لحظة ارتباطها بالإمبراطور «قسطنطين الكبير» الذى اكتشف بعد انتهاء حربه على أقرانه العسكريين أن ١٠% من أفراد مملكته يؤمنون بالمسيحية فتلطف معهم لتحقيق استقرار حكمه، ولضمان تهدئة الخواطر فى منطقة الهلال الخصيب، واستمرار تدفق القمح والنبيذ من مصر مزرعة الإمبراطورية، وليصدر فى عام ٣١٣ ميلادية مرسوما اعترف فيه بالمسيحية كإحدى ديانات الإمبراطورية.
أما القول الرابع لدى دكتور زيدان فى خاتمة مطافه باللاهوت العربى، فيتناول علاقة الدين بالعنف. ويشير فيه إلى أن الارتباط بين الدين والسياسة خلّف ارتباطاً بين الدين والعنف. مستشهداً بالسنوات الأولى الثلاث فى الألفية الثالثة والتى شهدت عمليات من العنف الدينى والعنف باسم الدين كما شهدت فى المقابل لها عنفا باسم محاربة الإرهاب الدينى وهو ما أدخل العالم فى دوامات من العنف والعنف المضاد.
ثم يبدأ فى طرح فكرته حول المدار المستقل لكل من الدين والسياسة فى عالم النظريات، فيدور فلك الأول حول محور الإله حسب تصور كل عقيدة، ويدور فلك الثانى حول محور الحاكم أيا كان مسماه. ولكن بما أن الطبيعة الأولية للسياسة جمعية لا تتم إلا فى جماعة إنسانية، بينما الطبيعة الأولية للدين فردية تعتمد على علاقة الفرد بربه، فإن تداخلاً بين الدين والسياسة لابد من واقع، فلا يمكن للسياسة أن تضبط الجماعة إلا بضبط الفرد، ولا يمكن للفرد أن يؤسس يقينه الدينى إلا من مخزون قداسة نابع من المجتمع.
وإذا كانت الديانات تبدأ بانبثاقة فوارة، فإن النظام السياسى فى المجتمع الذى ظهر فيه الدين الجديد تشكل ببطء، إلا أن صراعاً ينشأ بين ما يجدّ من أديان وبين السياسة القائمة فى المجتمعات التى يظهر بها، فالدين الجديد لا يقر النظام السياسى القائم، فيبدأ العنف كطرف ثالث فى جدلية الدين والسياسة، فالنظام السياسى القائم يواجه الدين الجديد المهدد له، فيقابله رعيل المؤمنين الأول بالجهاد والصبر.
وهو ما يطلق عليه دكتور زيدان «مواجهة دينية أولية للعنف الآتى من جهة النظام السياسى»، ففى اليهودية تحمل أتباع موسى أذى فرعون، وفى المسيحية يرتضى الحواريون ما تعرضوا له من صنوف العذاب من أجل التبشير بالمسيح وكتابة الأناجيل، ويذخر تاريخ الإسلام الأول بقصص تعذيب المشركين لمن أسلم، مثل بلال بن رباح وآل ياسر وصهيب الرومى وغيرهم الكثير.
وتنتهى تلك المرحلة بحالة كمون تنتج عن هجرة مؤقتة للمؤمنين بالدين الجديد إلى أرض أخرى، كالخروج أو التيه لدى اليهود، ورحيل المسيح وارتحال حوارييه، والهجرة فى الإسلام للحبشة ويثرب. ومع تلك الهجرة يهدأ العنف فيكتسب الدين قوة ويزداد انتشاراً يمكّنه من العودة لمواجهة النظام السياسى وطرح سبل جديدة لاقتسام السلطة والنفوذ.
فملوك اليهود القدامى، وأباطرة روما الذين آمنوا بالمسيحية ومبادئ الإسلام بعد فتح مكة، كلها تشير إلى بدء الاعتدال الأول بين الدين والسياسة. بحيث يصير الدين سياسيا، والسياسة متدينة، إلا أن هذا الهدوء لا يعنى عدم وجود مكان للعنف: بعضه هادئ وآخر ينذر بانقلاب جديد، كما يحدث عندما يكون ولاء بعض الجماعات للرموز الدينى أكبر من ولائها للحاكم، أو مع التذرع بالحجج الدينية لتأكيد خلل سياسى.
ومن ناحية أخرى، قد تتوحد السلطتان ويحكم الحاكم باسم الدين، وهو ما يراه دكتور زيدان نوعاً من التعدى وتبادل الأدوار، فهو تعدى الحاكم على الدين لتأكيد السلطة، أو تعدى الدين على السياسة لتكريس النفوذ، وهو ما ينذر بمزيد من التعدى باسم الدين أو السياسة. ثم يحلل دكتور زيدان ظهور ما اصطلحنا على تسميته بجماعات الإرهاب بالقول إن ذلك يحدث عندما تحدث انبثاقات جزئية داخل المنظومة الدينية تكون رافضة الكثير من الأوضاع السياسية، وتستند فيما تؤمن به إلى تراث فقهى فرعى، غالبا ما يكون متشدداً.
هنا يدخل العنف طرفاً أساسياً فى جدلية الدين والسياسة، فتلك الانبثاقات تلغى شرعية الحاكم، والحاكم يواجهها بالقوة للحفاظ على ما تم الاستقرار عليه سياسياً. بعد هذا العرض يبدأ دكتور زيدان فى عرض حلول لإشكالية العلاقة بين الدين والسياسة لنزع فتيل العنف منها، مؤكداً أن هذا لن يحدث إلا عبر الفهم والتفهم لحقيقة كل ما هو دينى أو سياسى، والضبط المتوازن لحركة الفرد فى المجتمع سواء من خلال القانون الوضعى، أو حركة التحريم والإباحة.
وهكذا ينهى دكتور زيدان كتابه المثير للجدل لا من قبل المسيحيين وحسب، ولكن من قبل المسلمين أيضاً.

طالع المزيد

________________________________________
حوار نشوى الحوفى 13/ 12/ 2009
لا يتركك كتاب دكتور يوسف زيدان «اللاهوت العربى وأصول العنف الدينى» إلا وفى داخلك أكثر من علامة استفهام، ولم يكن أمامنا حين حانت لحظة نهاية القراءة سوى العودة للمؤلف وعرض تساؤلاتنا عليه، علنا نجيب عن بعض مما دار فى نفوس القراء الذين تابعوه.فى البدء يؤكد أنه لا يسعى للانتقاص من أى دين، لكن كل دوره ينحصر فى ترميم الذاكرة، ومحاولة ترسيخ منهج جديد فى التفكير، ينشغل بالتدبر الدقيق فى الأشياء دون قبولها كمسلمات مؤكدا أنه دعا لتدين رشيد، على عكس ما يعتقد كثيرون أنه ضد الدين والتدين.. أن العلمانية خرافة وألفكر العلمانى غير رشيد وغير فلسفى، لأن الدين لا يمكن وجوده فى الواقع بعيداً عن السياسة، ولا يمكن تطوير سياسة واقعية فعلية بعيداً عن الدين.
وقد يعترض أحد بضرب مثل بالغرب المتقدم الذى نجح فى فصل الدين عن السياسة، وهوما أرد عليه بالقول إن الغرب لم يفصل الدين عن السياسة بل فصل المذهبية الدينية عن السياسة وإلى نص الحوار..
البعض يرى أن النبش فى تاريخ الديانات لا طائل منه. فما هدفك من وراء تأليفك لهذا الكتاب؟
– أبحث عن المناطق المنسية فى وعينا لأننى أعتقد أنه لا يمكن فهم ثقافتنا المعاصرة دون النظر فى أصولها العميقة التى شكلت الواقع الذى نعيشه. ولذلك رأيت أننى ومنذ مدة طويلة مرمم ذاكرة، أسعى لإعادة بناء وعى حقيقى بالذات يتجاوز التناول السطحى للظواهر، ويسعى بدأب لاستكشاف مناطق مجهولة ومستبعدة من شخصياتنا الجمعية.
قلت فى كتابك أن الديانات الثلاث ذات أصل واحد. هل تؤكد هنا النظرية التى يرددها البعض من أن كلمة «إسلام» لا تعنى فقط الدين ولكن تعنى كل الديانات؟
– لا، ولكن ما أردت قوله إن جوهر الدين فيما يعرف بالمسيحية واليهودية والإسلام، هوجوهر واحد. وإن اختلفت مظاهر التدين بحسب اختلاف الرؤى الإنسانية والتوجهات المتعددة. بالإضافة إلى هذا فهناك معنيان للإسلام وكلاهما قرآنى، فهناك الإسلام بمعنى العبادة الحقة وهوالذى ورد فى العبارة القرآنية: «ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين». أما الإسلام بمعناه الثانى فهوالذى بنى على خمس، وهوالذى امتلأ بالتراث ألفقهى حسب المذاهب ألفقهية المتعددة التى كانت فى الزمن الماضى كثيرة فيما مضى وصارت الآن أربعة المالكية والحنفية والشافعية والحنابلة.
البعض يرى فى هذا الكتاب حالة من انتقاص الدين الآخر سواء كان يهودياً أومسيحياً.. ما تعليقك؟
– لا يمكن أن أنتقص من أى دين لأننى أحترم العقائد كلها، لا كجزء من ثقافتى الخاصة وحسب، ولكن كجزء من إيمانى الإسلامى الحق. وادعوا هؤلاء الذين بدأوا فى سن ألسنتهم للهجوم على هذا الكتاب، أن يفكروا بهدوء مرتين، فقد كتبت هذا الكتاب بعد تفكير عميق وتدبرت الأمر عشرات المرات، ولم ولن أزعم أنه جاء باليقين التام النهائى الذى لا شك فيه، وأقول لمن يملك رؤية أخرى مصحوبة بأدلة كتلك التى سقتها فى عرضى، أن يرد على بذات أسلوب المنطق. فهذا جزء من رؤية عامة أتمنى أن تسود فى المجتمع. فكل ما ذكرته دللت عليه، يجوز أننى مخطئ لذا مرحباً بمن يهدى لى عيوبى ويدلل عليها.
لماذا يشعر القارئ للكتاب بأنك تعارض العنف المسيحى ضد الوثنيين والمهرطقين، وتبرر الحروب الإسلامية لتأسيس دولة؟
– القراءة المتمهلة للكتاب، ولغيره مما كتبت، تؤدى لعكس هذا ألفهم، أذكر أنه عندما تم الاعتداء على نجيب محفوظ أننى كتبت مقالاً بعنوان «القبح المتجسد» استدعيت فيه واقعة ذبح «الجعد بن درهم» التى قام بها الأمير خالد بن عبدالله القصرى، مذكراً الناس بضرورة إدانة العنف الذى يكتسح الدين وهى الإدانة ذاتها المذكورة فى كتابى «اللاهوت العربى» انطلاقا من ذات الرؤية، فأنا أدين العنف المسمى بالمقدس أيا كان شكله أوزمانه منبهاً إلى أنه نظام تفكير يؤدى إلى تدمير ما تعطيه الجماعة الإنسانية من مظاهر فكرية وفنية ودينية وروحية، فالعنف أيا كان مسماه نار تأكل الأخضر واليابس سواء كان ذلك باسم «يهوى» أوباسم «المسيح» أوباسم «الله الرحمن الرحيم».
كيف تفسر قولك فى كتابك «أترون وجه الشبه بين أهل السنة والأرثوذكس»؟
– قيم التدين واحدة، وبعبارة أدق هناك بنيات محددة تنظم عمليات التدين، مع ملاحظة ألفرق بين الدين والتدين، وهذه البنيات يغلب عليها الطابع الروحى وهوما نراه فى اليهودية فى «القبالة» وفى المسيحية من خلال «الرهبنة» وفى الإسلام عبر «التصوف»، وهذه البنيات الثلاث واحدة فى واقع الأمر تنتظم من خلالها روحانية تجربة التدين.
فى المقابل هناك الصورة المتشنجة للتدين. نراها فى اليهودية متمثلة فى حزب «شاس» وفى التاريخ المسيحى فى جماعة «محبى الأنام» وفى الإسلام فى «الخوارج»، وفى الواقع المعاصر فيما يسمى «بالجماعات الإسلامية» التى تنطلق من قاعدة التأسلم، وهذه أيضاً بنية واحدة وإن اختلفت محتوياتها بحسب اختلاف الدين. وأعتقد أن أى دين لا يقبل وجهتى النظر يموت، لأن شرط الدين أن يكون قابلاً لاستنباط تأويلات من شأنها أن تذهب بعيداً فى هذا الجانب أوأن تتوغل فى الجانب المقابل له، والدين الذى لا يقبل التأويل يصبح شيئا آخر مثل ألفلسفة أوالمذهب الخلقى أوالرؤية الإنسانية العامة.
ولكن الدين الذى يتطلب الإيمان لابد له من نص ينفتح فيه الباب على مصراعيه أمام عمليات التأويل وهنا يبدأ التدين الذى يختلف عن الدين من حيث كونه رؤية إنسانية للنص الدينى المقدس الذى يتوجه من خلاله إلى اعتقاد أن الله واسع عليم ولا يمكن للوعى الإنسانى مهما بلغ به التدين أن يحيط به تعإلى. وكل هذا يقودنا إلى تأكيد تدين رشيد لا يقوم على اعتقال اليقين فى جانب واحد تحت زعم «الأرثوذكسية» أو«السلفية»، انطلاقا من الآية الإنجيلية «إن شمس الله تشرق على الأبرار والأشرار».
ألا ترى تناقضاً بين دعوتك للحرية الإنسانية، وقولك بعدم إمكانية ألفصل بين الدين والسياسة؟
– أؤكد أن العلمانية خرافة وألفكر العلمانى غير رشيد وغير فلسفى، لأن الدين لا يمكن وجوده فى الواقع بعيداً عن السياسة، ولا يمكن تطوير سياسة واقعية فعلية بعيداً عن الدين. وقد يعترض أحد بضرب مثل بالغرب المتقدم الذى نجح فى فصل الدين عن السياسة، وهوما أرد عليه بالقول إن الغرب لم يفصل الدين عن السياسة بل فصل المذهبية الدينية عن السياسة.
والدليل أنه بالنظر لورقة الدولار الأمريكى سنجد عبارة «نثق فى الله» «In God We Trust» وهناك الكثير من الشواهد الدالة على ارتباط الدين بالسياسة فى المنظومة الغربية المعاصرة فنحن لم نسمع عن رئيس غربى عادى المسيحية أوأعلن انفصاله عنها.
العلمانيون ينخدعون بالتناقض الذى تعطيه الحضارة الأوروبية المعاصرة فيتوهمون أن الحرية الإنسانية هناك باتت مقدسة بفصل الدين عن السياسة، تماما كما يتوهمون أن ابن رشد قد فصل بينهما فى كتابه الشهير «فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال» فظنوا أن الكلمة الأولى من العنوان هى الموضوع دون أن ينتبهوا إلى أن الكلمة الأخيرة هى جوهر الأمر. وأن ابن رشد قدم الكتاب كفتوى شرعية بصفته قاضى المالكية فى الأندلس.
يتساءل البعض عن حق الخوض فى ديانات الآخر وتحليلها، ويقولون هل تقبل بمن يعلق على الإسلام أويحلله من ديانات أخرى؟
– بالطبع أقبل وأرحب، ففى وعينا الإسلامى تعلمنا قاعدة أرساها أمير المؤمنين، الخليفة عمر بن الخطاب، بقوله: «رحم الله امرءاً أهدى إلينا عيوبنا».
ومن يقول بهذا القول يتناسى أمراً معروفاً هو أن المستشرقين والكارهين والمحبين للإسلام من غير المسلمين كتبوا أطناناً من الكتب مع الإسلام أوضده ولم يؤثر ذلك إلا على مستوى فهم الديانة، بل الأكثر من ذلك أننا حين نذكر أهم الأعمال فى مجال إسلامى خالص هو«علوم القرآن»، فإننا نذكر الإمام «الزركشى» ومن بعده بقرون الإمام «السيوطى» وبعده بقرون المستشرق الألمانى «تيودور نولدكه»

«المصري اليوم» تنشر عرضاً لكتاب د. يوسف زيدان الجديد قبل طرحه بالمكتبات «اللاهوت العربى وأصول العنف الدينى» كثير من الفكر كثير من الجدل (1)

«المصرى اليوم» تعرض كتاب الدكتور يوسف زيدان الجديد «اللاهوت العربى وأصول العنف الدينى» قبل طرحه فى المكتبات «2» .. يوسف زيدان: المسيحية بدأت امتدادا لليهودية ثم قدمت نفسها للعالم كحركة إصلاح

«المصرى اليوم» تعرض كتاب د. يوسف زيدان الجديد «اللاهوت العربى وأصول العنف الدينى» «3» .. زيدان: الإرهاصات الأولى لعلم الكلام لم تكن خروجاًً عن روح الإسلام بقدر ما كانت دخولا فى التراث العربى اللاهوتى

«المصري اليوم» تنشر الحلقة الأخيرة من عرض كتاب «اللاهوت العربى وأصول العنف»: لا يمكن فصل الدين عن السياسة.. والعلمانية «وهم» فى أذهان من ينادون بها

في ” اللاهوت العربي ” .. يوسف زيدان يناقش جوهر العقيدة عند الديانات السماوية الثلاث

الغلاف
لم يوضع هذا الكتاب للقارئ الكسول، ولا لأولئك الذين أدمنوا تلقي الإجابات الجاهزة، عن الأسئلة المعتادة “.. هكذا ينوه د. يوسف زيدان في بداية كتابه ” اللاهوت العربي وأصول العنف الديني” والصادر مؤخرا عن دار الشروق المصرية في 226 صفحة، ويشتمل على مقدمة طويلة يُعيد فيها المؤلف النظر في مفاهيم أساسية تتعلق بالديانات الثلاث الكبرى ” اليهودية والمسيحية والإسلام “، مؤكدا أنه رغم الاختلافات التشريعية والعقائدية بينهم إلا أن الجوهر الاعتقادي ظل واحدا ، فالمعبود لدى الديانات الثلاث واحد مهما تعددت صفاته وأقانيمه وأسماؤه.

يعرف اللاهوت بأنه علم دراسة الإلهيات منطقيا ، وتستعرض فصول الكتاب جذور الإشكال اللاهوتي الخاص بتصور التوراة للإله وللأنبياء، ومحاولة الخروج “المسيحي” من الإشكال اليهودي، وهى المحاولة التي أدت إلى عدة أزمات لاهوتية ما بين الفهم العربى للديانة المسيحية، والفهم المصري – اليوناني لطبيعة المسيح .

ويرى زيدان في كتابه “اللاهوت العربي” أن الديانة المسيحية لم تعرف “اللاهوت” إلا من خلال المحاولات التي أرادت أن تنتقل بالفكر الديني من الاشتغال بحقيقة وطبيعة المسيح أو ما يعرف بـ” الكريستولوجيا ” إلى الانشغال بالذات الإلهية وصفاتها أو ” الثيولوجيا “.

الله في التوراة

إن نصوص التوراة – بحسب المؤلف – تفاجئنا بالعديد من الحقائق المحيرة منها إشكالية الإله الذي يظهر مرة داعيا للخير وفضائل الأعمال وتارة يظهر عنيفا منتقما من الناس لحساب اليهود ، كما تظهر في النصوص التوراتية المقدسة صورة إنسانية للإله، فالله التوراتي ينتابه القلق لأن الإنسان ” آدم ” أكل من شجرة المعرفة، فصار عارفا مثل الآلهة.

ثم تتخذ الذات الإلهية “التوراتية” أقصى صورها الإشكالية حين يغدو الله “سبحانه” مغلوبا، مستغيثا، مستسلما. وهو ما حكاه سفر التكوين عن صراع الله مع النبي يعقوب بعدما اتخذ الله سبحانه في هذا العراك صورة رجل آدمي وانتصر يعقوب! ، بحسب المعتقد اليهودي.

كما أن اليهودية المبكرة جعلت الله تعالى ملتصقا بالأرض لا بالسماء، والقصص التوراتي لا تقتصر خطورته على ما يطرحه من صفات إلهية يصعب إلحاقها بالذات الإلهية، وإنما تتعدى هذه الخطورة إلى أمور أخرى منها استهانتها بحقوق البشر من غير اليهود، وإمعانها في تحقير الأمم غير اليهودية، وكأن اليهود هم أقل إنسانية من أبناء الرب أو أن ربا آخر غير رب اليهود هو الذي خلقهم.

وقد انقلبت في التوراة منظومة القيم الإنسانية فصار القتل مباحا ما دام يتم باسم الرب، وصار الزنا بالمحارم جائز الاقتراف أو وارد الوقوع حتى في حق الأنبياء! مثلما نرى في قصة النبي لوط!.

وهكذا يشير د. زيدان صاحب الـ55 مؤلفا إلى أن العهد القديم ينتهي بالفقرة الأخيرة من سفر ملاخي وهي الفقرة المخبرة بأن ” المخلص، الماشيخ، ملك اليهود، إيليا” هو في طريقه إلى الأرض التي ستقوم بعد ذك قيامتها.

ظهور المسيح

السؤال الذي يطرحه الكتاب هل تعتبر المسيحية امتداداً لليهودية، أم أنها ديانة مختلفة عنها فى الشكل والجوهر؟ هذا ما يجيب عنه دكتور زيدان حين يذكر أن المسيحية طرحت نفسها فى البدايات كامتداد للديانة اليهودية وقد كان يسوع المسيح في بدء دعواه يقول: “لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة” متى 15: 24، ثم تطورت بمرور الوقت لتقدم نفسها للعالم على أساس أنها حركة إصلاح وتصحيح عام لليهودية.

ويسرد الكتاب كيف انتظر اليهود ذلك المسيح الذى سيتحقق مع قدومه وعد الرب لنبيه إبراهيم بامتلاك شعبه المختار وأبنائه المفضلين للأرض، من نيل مصر إلى نهر الفرات، ومن شدة تلهف اليهود على ظهور هذا المسيح الذى كانوا يحلمون بأن يخلصهم من موجات القهر والعنف التى تعرضوا لها، كثر أدعياء النبوة بينهم.

وهكذا يجىء يسوع المسيح بعد طول انتظار من اليهود ولكنهم لم يقدسوه كما كان متوقعاً، بل سلموه للرومان ليصلبوه . وبحسب المعتقد المسيحي فإنه لما أدرك يسوع المسيح أن اليهود ليسوا تربة صالحة للبشارة التي جاء بها ذهب عنهم واتجهت خطه نحو “الفداء الأعظم” على خشبة الصليب، فمات ثلاثة أيام ثم أمر بعد قيامته من الموت تلاميذه المعروفين في المصطلح المسيحي بالرسل، وفي المصطلح الإسلامي بالحواريين أن يبشروا الأمم كلها بخلاص الإنسان.

وقد ازداد الجدل المسيحي حول المسيح وحول طبيعته .. هل هو البشر النبى ابن الإنسان الذى جاء بالبشارة، أم هو الله بذاته نزل إلى الأرض حيناً ثم عاد ثانية للسماء؟

ويروي الكتاب عن قانون الإيمان الصادر عن مجمع نيقية الذي حاول ضمان استقرار الديانة المسيحية وكانت الصيغة تتضمن ما يلي: ” يسوع المسيح ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساو للآب في الجوهر، الذي به كان كل شئ، الذي من أجلنا نحن البشر، ومن أجل فلاحنا نزل من السماء، وتجسد من الروح القدس، ومن مريم العذراء، وتأنّس، وصُلب عنا على عهد بيلاطس البُنطي، وتألم، ودُفن، وقام في اليوم الثالث”.

وعلى هذا النحو صار المسيح هو الديانة ذاتها، فمن اسمه اشتق اسمها، ومن مولده يبدأ كتابها “الأناجيل” ومن الإيمان بألوهيته يُستهل قانون إيمانها الأول، وشيئا فشيئا أصبح المسيح معادلا موضوعيا لله في المعتقد المسيحي .

النبوة والبنوة

في فصل أسماه ” هرطقات مسيحية ” يتعرض زيدان في هذا الفصل لمفهوم النبوة والبنوة وفقا للمعتقدات السائدة والثقافة التي تنتمي إليها كل منطقة والعقلية التي تحكم تفكيرهم فيما يتعلق بحقيقة السيد المسيح الواصلة بين اللاهوت والناسوت ، علما بأن اللاهوت وفق المعتقد المسيحي هو الجزء الإلهي من طبيعة المسيحي ، بينما الناسوت هو الجانب البشري .

وقد فهم المصريون واليونان من النصوص الدينية والأناجيل أن المسيح هو ابن الله ثم آمنوا بأنه الرب وبأنه الإله، والسبب كما يطرحه د. زيدان، هو أن مصر واليونان بلاد عايشت الكثير من الديانات التى كانت لا ترى إشكالية فى الجمع بين الربوبية والبشرية، ولا ترى أزمة فى تأليه الإنسان وتأنيس الإله، فالملك الفرعون فى مصر القديمة هو ابن الشمس أو ابن الإله، القابل للتأليه هو الآخر.

أما فى منطقة الهلال الخصيب والجزيرة العربية فالأمر مختلف، كما يقول د.زيدان، فالديانات فى تلك المنطقة كانت تعلى من قدر الآلهة، وتتصورهم مفارقين للعالم البشرى، وكما حدث فى الملحمة البابلية “جلجاميش” وأكدت أن الإنسان بشر، مقدر عليه الفناء، بينما لا بقاء للأبد سوى للآلهة فقط.

وكان من الطبيعي إذن أن يقوم الخلاف بين هاتين العقليتين هذه التي تحتفي وتعلي من قدر النبوة وتلك التي تتقبل وتتمحور حول فكرة البنوة.
والذي يعنينا كما يقرر د. زيدان أن هذه المجادلات والصراعات والاتهامات المتبادلة واللعنات دارت جميعها حول موضوع واحد هو المسيح. ومن هنا نقول إن ما يسمى في التراث المسيحي باللاهوت إنما هو لاهوت لا يتعلق في مجمله بالله ذاته، بل يدور جوهره حول المسيح.

أحسن القصص

يؤكد مؤلف الكتاب والذي حاز العام الماضي على جائزة ” البوكر ” للرواية ، أن القرآن قدم باعتباره لاهوتا عربيا حقيقيا حلولا محددة لكل ما كان اليهود والنصارى يختلفون فيه من مشكلات عقائدية. حيث قدم الإسلام سيرة أخرى لمعظم أنبياء التوراة بعدما أعاد رسم شخصياتهم بما يناسب مكانتهم، فعند الحكاية عن الأنبياء جاء القصص القرآني راقيا في لغته، مترقيا بالقارئ والسامع إلى حضرة علوية لا يشوشها لفظ ردئ ولا معنى غير لائق بالله أو بأنبيائه.

فآدم القرآني مثلا هو “الإنسان” الذي أخطأ بعصيان الأمر الإلهي، ثم أدرك خطأه وتاب أمام الله، فليس ثمة خطية أزلية ارتكبها آدم ورثها من بعده بنوه، ومن ثم لا تجوز محاسبتهم على ما لم يرتكبوه.

أيضا النص القرآني يؤكد حضور الله في كل التفاصيل والوقائع، وبذلك عاد “اللاهوت” إلى صدارة المعتقد الديني، ومن الجهة الأخرى توارى “الناسوت” فلم يعد مطروحا كأصل إيماني، حتى ما كان منه مرتبطا بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي يتلقى وحي السماء تنزيلا مؤكدا تلك المفارقة التامة بين اللاهوت والناسوت، ومعبرا بوضوح عن بشرية النبي الكاملة على نحو ما ورد بالآية القرآنية “وما محمد إلى رسول قد خلت من قبله الرسل” وبالحديث الشريف: لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله.

أما عن الصفات الإلهية فقد أفاض القرآن في تأكيد علو الله عن العالمين، فهو تعالى المفارق التام، الذي “ليس كمثله شئ” الشورى الآية 11، ومفارقته تعالى للمخلوقات والموجودات جميعا، فهو أحد وهو الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ومن ثم فقد غابت عن القرآن تماما صورته “تعالى” ووقائعه التوراتية التي تظهر منها الصفات التي لا تليق بالإنسان ناهيك عن مناسبتها لله عز وجل.

وبهذا حل القرآن إشكاليات التوراة، كما حل أيضا الإشكال العقائدي المسيحي حيث يتداخل مفهوما الله والإنسان فأعاد القرآن بناء التصورات الخاصة بالمسيح .

وحسبما جاء في القرآن فإن المسيح “يسوع، عيسى” لا يذكر عادة إلا مقترنا باسم أمه مريم باستثناء مرات ثلاث فقط أشير فيها إلى اسمه مجردا لأسباب محددة في سياق خاص كما في الآية “وقالت النصارى المسيح ابن الله” وجاء التفصيل القرآني الخاص بالمسيح مولده، ودعوته وحقيقته في سورة مريم وهي في القرآن ليست “ثيوتوكوس” أي أم الإله وليست أم النور الحقيقي وإنما هي صديقة وهبتها أمها لله من قبل أن تلدها، ثم إن هذه العذراء كانت بتولا فأرسل لها الله روح القدس أو الروح الأمين “الملاك جبريل” على هيئة بشرية فأوصل جبريل النفخة الإلهية الخالقة إلى مريم، فحملت بالمسيح.

وهكذا أبعد القرآن تماما أي شبهة للاتصال المباشر بين الله والإنسان، فالله أرسل من عليائه رسوله السماوي “جبريل” ليهب العذراء غلاما من عند الله تماما مثلما كانت توهب من قبل طعاما وشرابا وهي بالخلوة، ومثلما سيأتيها من بعد البلح الطري من النخلة اليابسة.

العلمانية خرافة!

فى خاتمة الكتاب يقدم يوسف زيدان نظريته الخاصة بارتباط العنف والدين والسياسة، مؤكداً أن ” العلمانية خرافة ” لأنه لا يمكن تصوُّر الدين بدون سياسة، أو تصور سياسة بعيدةً عند الدين!.

يقول زيدان: “إن الفهم الذي ندعو لتعميقه يتضمن الاعتراف بالتشابك والاشتباك بين الدين والسياسة، وقد آن الأوان أيضا لتفهم الظواهرالدينية الوليدة والكف عن محاولة وأدها بقوة في مهدها، لأن الذي يحدث عادة هو أنه من بين بضعة انبثاقات يتم وأدها سياسيا، تفر موجة دينية وليدة وتتسلح بميراث دفين من القهر المتوالي للانبثاقات الموءودة فيتضاعف عندها الحقد تجاه المجتمع وتتأكد لديها الرغبة التدميرية والازاحة التامة للسلطة القائمة، فيدور بعنف الجدل الثلاثي الأبعاد “الدين، العنف، السياسة” ولا علاج لذلك سوى التفهم الذي يفسح المجال لقبول الآخر والاعتراف بحق الاختلاف”.

ويؤكد د.زيدان أنه لا يمكن للعالم أن يواجه عمليات العنف الديني إلا بتعاون دائم ومستمر بين دول العالم، لأن طرفا دوليا واحدا لن يمكنه التعامل الرشيد مع ظاهرة عابرة للحدود وخارجة عن تراثه وبنيته الاجتماعية وحدود فهمه وتفهمه. المصدر: محيط

اللاهوت العربي وأصول العنف الديني – د.يوسف زيدان
Posted by Ahmed A.Moneam Elmiligy

اللاهوت العربي وأصول العنف الديني – د/يوسف زيدان – بداية احب ان اقتبس جملة كتبها الدكتور يوسف زيدان في صدر الكتاب ” لم يوضع هذا الكتاب للقارىء الكسول ولا لأولئك الذين ادمنوا تلقي الاجابات الجاهزة عن الاسئلة المعتادة وهو في نهاية الامر كتاب قد لا يقدم ولا يؤخر” فحقا الكتب ليس مجرد معلومات مصفوفة تحت بعضها البعض بل يفتح مجال اوسع لأسئلة اكثر بكثير مما طرحت بالكتاب نفسة الا انني اختلف معة في جزء انة قد لا يقدم او يؤخر بل لقد قدم الكثير و اخر كثيرا جدا و يؤكد لنا هذا ايضا رد الدكتور زيدان نفسة في احدي اللقاءات و هو منشور بجريدة اليوم السابع “زيدان: أنا لا أثير الجدل أو أختلق المشاكل كما يشاع عنى، والدليل على ذلك عندما نشرت أعمالى تعرضت لهجوم شديد من رجال الكنيسة، وسكت على هذا الهجوم أكثر من سنة، لأنى كنت أرى أن دورى ينتهى عند الكتابة أما النقد والتحليل فليس تخصصى، لكن حينما اشتد هجوم الأنبا بيشوى رددت عليه ولم أترك له حجة ووقتها فقط سكت ولم يهاجمنى من حينها حتى عندما أصدرت كتاب اللاهوت العربى.” فالكتاب بالفعل جاء شدة في الموضوعية و الحيادية بدرجة يصعب الرد عليها او التأويل فيها .. بل من وجة نظري انة قد ظلم الاسلام في عدة مواضع حتي لا يتهم بتحيزة للاسلام و يؤكد فكرة الحيادية التي حاول ان يراعيها من الصفحات الاولي و التي يبتدئها بقول مقدس من كل كتاب مقدس للثلاث ديانات محل البحث بان اصحاب كل دين منهم هم خيرة الله كما يري كل اهل جماعة منهم .
في بداية الامر ظننت ان الكتاب غير مرتب الافكار و لكن فيما بعد اكتشفت ان غزرت المعلومات الواردة في الكتاب هي التي تسوق الافكار و الكتاب يحتاج الي تركيز شديد اثناء القراءة فهو ليس كتاب لسد وقت فراغ.
لن اخوض فيما ورد في الكتاب فهي اكبر بكثير من ان اتحدث عنها و لكن ما اريد التعقيب علية و هو التشبيه بين حالتين هما علي النقيض فقد شبة الدكتور زيدان بين ما فعلته الارثوذكسية مع المهرطقين امثال اريوس و نسطور و بين ما فعلة اهل السنة مع غيلان و الجهم و باقي اباء المتكلمين .. فما فعلة هؤلا المتكلمين انما هو ” كلمة حق يراد بها باطل” اما نسطور و اريوس و امثالهم فكانت كلمة حق و هي بالفعل حق … فالموقفين علي النقيض ..و لكن بالطبع جاء هذا من باب المقارنة المحايدة علي السواء في كل جانب.
الكتاب في مجملة رائع و مهم و يجب الاطلاع علية

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s