كل الشعراء الاسبان الكبار مروا بـ ‘أشعار’! صدور ترجمة الديوان الوحيد لغوستافو أدولفو بكير:

كل الشعراء الاسبان الكبار مروا بـ ‘أشعار’!
صدور ترجمة الديوان الوحيد لغوستافو أدولفو بكير:
19/01/2010

القاهرة: أصدر المشروع القومي بالمجلس الأعلى للثقافة ترجمة لديوان الشاعر الإسباني جوستافو أدولفو بكير، قدمها الكاتب والمترجم ماهر البطوطي، وتتضمن الديوان الوحيد الذي أصدره بكير في حياته.
وفي مقدمته المكثفة والعميقة التي تصدرت الكتاب، يشير البطوطي إلى أن أدولفو واحد من رموز الرومانسية في الشعر العالمي، إلى جانب هؤلاء العظام الذي أسسوا ذلك الاتجاه في أوروبا.
وفي إطار التعريف بالشاعر يقول البطوطي، إنه ولد في مدينة أشبيلية في شباط/فبراير عام 1836، وقضى فيها طفولته وصباه، وقضي في سن مبكرة، حيث رحل ولم يكن قد تجاوز الرابعة والثلاثين، وخلف أثراً شعرياً يتضمن تسعين قصيدة طبعت بعد وفاته بعام واحد في الديوان الذي صدر مؤخرا تحت عنوان ‘أشعار’ بترجمة البطوطي.
يقول المترجم إن الديوان تحول إلى إنجيل للشعراء منذ نشره وحتى الآن، ويؤكد أن كل شعراء اللغة الإسبانية الكبار تأثروا ببكير، قبل أن يتفردوا ويكشفوا عن أصواتهم الخاصة، ويشير المترجم الى أن أشعار بكير ترجمت إلى معظم اللغات الرئيسية في العالم، كما يشير إلى ذلك التأثير الواسع للرومانسية الإسبانية بمثيلتها في أوروبا، حيث سعت الى السمو بالذات الإنسانية للفنان، وتحولت الأنا الى نوع من عبادة الذات، وتحول العالم الخارجي إلى مجرد انعكاس حرفي لصورة تلك الذات، ويضيف أنه صاحب ذلك التصور رغبة في التحرر والانطلاق ضد عبودية التقاليد، والتمرد عليها، وإذكاء العواصف الجامحة والأهواء الطبيعية والهرب من الواقع والحقيقة.
ويرصد البطوطي أن نظر الرومانسيين الى الحياة كمشكلة ميتافيزيقية دفعهم الى الكثير من التشاؤم والكآبة في مواجهة ما يرون أنه فرضيات الواقع وحتميته، وهو جعل فكرة الموت تتأصل لديهم بطريقة وصلت إلى حافة المرض.
وحول أعلام الرومانسية الإسبان يقول ماهر البطوطي، إن أوج الإزدهار الرومانسي الإسباني بدأ في عام 1910 واكتمل في عام 1935، وكان من أعلام هذه الموجة: دوق ريفاس، وخوسيه ثوريا، وأمسبرو نثيراو وخوسيه دي لارا، ورامون سولير، هذا بالإضافة إلى الروايات التاريخية التي سعت نفس المسعى تأسيا بالانجليزي وولترسكوت.
ويقول البطوطي مردفا: ان قدر بكير أن يحيا طفولته وصباه في ذلك التيار العام ويتأثر به أيما تأثر، بالإضافة الى إسهام الظروف التي أحاطت بحياته بنصيب وافر في تشكيل روحه بالطريقة التي مالت به إلى هذا المنحى، فكما فتح بكير عينيه على النور الدافق والشمس الساطعة التي تتميز بها إشبيلية، فقد فتحها أيضا على الشقاء وطعم المأساة في المذاق.
وكان بداية ذلك وفاة الأب، ولما يتجاوز الابن خمس سنوات من عمره، مخلفا وراءه أسرة كبيرة، ويضيف البطوطي حول حياة الشاعر أنه لم يكد يكمل الحادية عشرة حتى توفت أمه في عام 1847، فتشتت الأسرة نهائياَ، إذ عاش إخوته مع عم لهم، أما بكير فقد عاش مع واحدة من صديقات والدته كانت ميسورة الحال، ويرى البطوطي أن تلك الظروف أورثت الشاعر هماً وقلقاً روحياً متصلاً وخلعت على قصائده كآبة وتشاؤماً وينقل عنه في هذا السياق قوله:
أسدل الليل أستاره
ولم أجد لي ملاذا
كنت عطشاً
فشربت من دموعي
وكنت مسغبا
فأغلقت عيني المتورمتين
كيما أموت!
أكنت أحيا في صحراء؟
بل كان يصل إلى سمعي
لغط الناس وهمهماتهم.
كنت يتيما مسغبا
لذلك بدت الدنيا في عيني
صحراء مهجورة’.
ثم يضيف البطوطي أن بكير انتقل إلى بيت عمه، في فترات تكوينه الفتي حتى عام 1854، وعكف على قراءة ما تحويه مكتبة ‘أشبينة’ من ذخائر الآداب العالمية المترجمة الى اللغة الإسبانية، وأحب منها مؤلفات شاتو بريان ومدام ستايل وجورد وبلزاك، واشعار لورد بايرون الذي تأثر به، وكذلك موسيه وهوجو ولامارتين وهيزيش هانيه، بالإضافة إلى الاسبان، وبينهم ثربانتس وعدد من الشعراء مثل أسبونثيدا، ويشير المترجم إلى أن معرفة بكير باللاتينية التي درسها في طفولته، الى جانب الفرنسية، ساهم في قراءته لأناشيد هوراس الغنائية والتأثر بها في أشعاره اللاحقة، ويردف المترجم قائلا: عملت تلك السنوات، التي انكب فيها الشاعر على القراءة والتحصيل الذاتي، على الابتعاد به عن الحياة الطبيعية التي يعيشها أقرانه من الصبية، وإغراقه في عالم غريب تماما عن العالم الواقعي، كما أعانته قراءاته الرومانسية على تنمية ميله الطبيعي نحو التأمل في ذاته، وقدمت له عالماً من الأحلام والمغامرات عوضه عن غياب اتصاله بعالم اللهو واللعب الخاص بمن هم في مثل سنه.
ثم ينتقل البطوطي مع شاعره في انتقالته الجديدة الطموح الى مدريد، ليبدأ حياته العملية في الحقل الأدبي، وهي الحياة التي يصفها المترجم بالعاصفة بالآمال، ويقول هنا: لم يكن استقبال العاصمة لذلك العصفور الرقيق مثلما توقع، بل إنه اضطر إلى الجهاد والمجالدة من أجل الحصول على لقمة العيش، ولكنه حرص على أن يكون جهادا لا يبعد به عن أعتاب الأدب والكتابة، فعمل محررا في صحف مختلفة، يترجم لها من الصحافة الفرنسية، ويعلق فيها على بعض المسرحيات والأشعار، وساعده ذلك على الاتصال المستمر بالحركات الأدبية المتجددة في الخارج، ومتابعة كل جديد في عالم الفن والأدب بالداخل، ويردف البطوطي أن بكير بدأ في تلك الفترة نشر قصائده في تلك الصحف، وكذلك كتابة بعض الأعمال الأدبية مثل، التاريخ الفني للكنائس في إسبانيا، وكتابة كوميديا غنائية لم تتم، ويعلل البطوطي ذلك بالقلق الدائم والمستمر للشاعر، وأيضا تطلب مثل هذه الأعمال للمزيد من الوقت، لذلك لم يجد متنفسه الحقيقي سوى في الشعر الغنائي.
ويقول البطوطي إن بكير وجد مثل كل رفاقه الرومانسيين مشكلة في التعبير، لأنهم كانوا يضطرمون بالخيال والأحاسيس، التي يتوقون لإخراجها سطورا على الورق، إلا أن اللغة لا تسعفهم، وتبدو لهم عرجاء لا تنقل عالمهم وتهويماتهم، وينقل عن الشاعر تلك المعاناة مع الصراع الداخلي في قوله:
‘إني أعرف نشيدا هائلا وغريبا
يبشر بالفجر ظلام ليل الروح
وهذه الصفحات
هي إيقاعات من ذلك النشيد
ينشرها الهواء في أرجاء الظلال
لكن أحلم بأن أخطه سطوراً على الورق
وأتحدث فيه عن الإنسان
وهو يروض اللغة المتمردة الضحلة’.
ينتقل البطوطي بعد ذلك إلى مناقشة العقيدة الفنية للشاعر جوستافو أدولفو بكير، ويقول إنه آمن بالميوز ربة للشعر وبأبولون إله الفن، وكان يتعلق بأستارهما كلما عصفت به حياة العاصمة التافهة القاسية، التي لا تأبه بالشعراء ولا ترحمهم.
ويضيف البطوطي أن بكير عرف حياة الفقر والجوع، ولم يكن أمامه من ملجأ سوى الكتابة والهرب من ابتذال الحياة الى عالم الشعر الطموح وينقل عنه ما يؤكد هذا المعنى:
‘أنا ذلك الدرج الخفي
الذي يربط السماء بالأرض
أنا ذلك الخاتم المجهول
الذي يخضع عالم الصور
لعالم الأفكار
أنا في مجمل القول تلك الروح
ذلك الجوهر المجهول
العطر الغامض
الذي يحل في جسد الشاعر’.
وعن الحب والمرأة في حياة الشاعر يشير البطوطي إلى أثر ذلك الإحساس بالخذلان، ومحاولة الهروب إلى عالم مثالي، وهو تصور أثر على علاقة الشاعر بالمرأة، حيث ظل تصوره يتمحور حول تلك المرأة المستحيلة، ويقول البطوطي هنا: إن الشاعر لهذه الأسباب كان هائما بالأشكال التي لا ملمس لها والنساء اللاتي لا يمكن الوصول إليهن، وتلك السلسلة من الأحلام المستحيلة، ويضيف البطوطي أن الشاعر رغم هيامه بالمرأة واعتبارها المثل العلوي للجمال، إلا أن حياته لم تشهد سوى تجربتين اسبانيتين، أولاهما كانت لفتاة من الطبقة الارستقراطية تدعى إليزاجيان، وهي التي تعلق بها الشاعر بين عامي 1859 و1860 وأحبها حبا جارفا، وكتب الشاعر قصيدة شهيرة عن ذكرى حبيبته التي لا تفارقه يقول عنها ماهر البطوطي إنها قصيدة يحفظها طلبة المدارس والشباب في اسبانيا وأمريكا اللاتينية عن ظهر قلب على مر العصور، وينقل في مقدمته جزءا من مطلعها يقول فيه الشاعر:
‘مرة أخرى
ستبني البلابل السمراء أعشاشها على
نافذتك،
وستضرب الزجاج بأجنحتها مرة أخرى.
ولكن تلك البلابل
التي كانت تتأنى في طيرانها
كيما تتأمل جمالك وتطالع سعادتي
تلك البلابل التي عرفت إسمينا..
هذه، لن تعود أبداً’.
وتلك التجربة التي تحطمت دفعت الشاعر، حسبما يقول المترجم، لزواج مفاجئ عام 1861 من كاستا إستبان، وهي فتاة يصفها المترجم بأنها على النقيض تماما من إليزا، فهي تنتمي إلى الطبقة الدنيا، وايضا قليلة المحصول من الثقافة لا تتجاوز التاسعة عشرة من عمرها، إلا أنها كانت بارعة الجمال هي الأخرى، ويقول البطوطي إن الشاعر خلدها في أكثر من مقطوعة شعرية، غير أنه يعود ويقول إن هذه المقطوعات لا بد أن يكون الشاعر قد كتبها في بداية زواجه، لأنه اكتشف بعد وقت قصير مدى الخطأ الذي ارتكبه بسبب تلك الزيجة، بسبب الاختلاف العميق بينه وبين حبه الجديد، وحسب البطوطي، لم يعوض الشاعر عن ذلك القلق سوى التحاقه بالعمل في صحيفة شهيرة بالعاصمة هي ‘المعاصر’ التي كتب فيها عددا من القصص الخيالي في سلسلة تحمل اسم ‘أساطير’، كذلك نشر فيها بعض قصائد ديوانه ‘أشعار’ ويقول البطوطي:
إن الشاعر بدأ يقضي وقته بين الصحيفة ومطابعها وبين مقهى ‘سوثيو’ حيث تنعقد ندوته الأدبية، ثم يتجول في طرقات مدريد زائر حلبة مصارعة الثيران، وأصبح يتجنب البقاء لفترات طويلة في منزله، ويضيف المترجم ان ما خفف من وحدة بكير وصول شقيقه فالريانو، الذي حاز شهرة في الرسم، الى مدريد، حيث أصبحا لا يفترقان، ورحلا معا في ديسمبر عام 1863 الى دير ‘فـــرويلا’ في مدينة سرقسطة لدواعي الاستشــفاء والعمل، ومكثا معا هناك فترة كتب فيـــها الشاعر عدة مقالات أدبية رائعـــة بعنوان ‘خطابات من سجني’، نشرها في جـــريدة المعاصر عام 1865، ويضيف البطـــوطي أن بكير تحقق له بعض الاستقرار المادي بعد أن حصل على وظيفة حكومية وفـــرها له وزير الداخلية في ذلك العهد وكـــان من أشد المعجبين بأدبه، وهي وظيفة يقول عنها المترجم، إنها تمثل وظيفة الرقيب على القصص في هذه الأيام.
ويضيف البطوطي أن تلك الأعوام المستقرة وفرت للشاعر وقتاً لإكمال قصائد ديوانه، وأعد مخطوطا لصديقه الوزير ليقرأه، إلا أنه فقد إبان الاضطرابات التي اجتاحت مدريد أثناء ثورة 1868، التي أسقطت الملكة إيزابل الثانية عن العرش وأطاحت بالحكومة القائمة، وأطاحت معها بالوظيفة التي حصل عليها الشاعر، ويصف المترجم ضياع ذلك المخطوط بأنه ترك آثارا مريرة في حياة الشاعر، وضاعف من ذلك انفصاله عن زوجته كوستا قبل مولد ابنه الثالث، ثم رحيل أخاه فالريانو عام 1870، وأصيب هو الآخر بالتهاب رئوي حاد قضى عليه وأنهى حياته.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s