يا أمة ضحكت من إسرافها الأمم!

يا أمة ضحكت من إسرافها الأمم!
محمد بشير كردي
۞ تفاجأت بالزيارة الصباحية لجارتنا الصبية (رشا) قبل الموعد المعتاد، كنت اتصفح البريد الالكتروني،
انتبهت رشا – وهي تطالعني لتلفت نظري إلى وصولها – بأن ما أقرأه على الشاشة فيه الكثير من الإزعاج، لما طرأ على وجهي من تعبير عن الضيق والألم ، فاقتربت مني لتعرف ما في الرسالة من مواضيع لم أستسغها.
وبرادار نظراتها الثاقبة لقطت عنوان الرسالة وهو: “أرقام مذهلة” ، فاستأذنت في معرفة ماهية هذه الأرقام ، معللة رغبتها في ذلك الوقوف على مسبب ما اعتراني من ضيق وألم، وأن العنوان “أرقام مذهلة ” مثير للفضول ، لما تسببه الأرقام في هذه الأيام من ضيق وألم عند الجميع ودون استثناء، لارتباطها بحسابات البنوك وأرصدة العملاء التي اضطربت بين مد وجزر، ورواتب الطبقة العاملة التي أخذت تنكمش شيئا فشيئا جراء إلغاء البدلات التشجيعية والحوافز التي كانت تصرف لهم، وعند الآخرين من أرباب المهن والأعمال الحرة أخذت تكتسب اللون الأحمر. كل ذلك بسبب الركود الاقتصادي، وإحجام المستهلك عن شراء الكماليات والسلع غير الضرورية. ناهيك عن ظاهرة فقدان العديد من العمال والموظفين لوظائفهم في كل دول العالم بسبب تسونومي الرهن العقاري في الولايات المتحدة الأمريكية الذي لم يترك بلدا في العالم إلا ورماه بأذاه وأصابه بسهم قاتل.
فما كان مني إلا أن أعطيتها مقعدي لتقرأ بنفسها ماهية تلك الأرقام المذهلة، لأرضي رغبتها من جهة، ومن جهة أخرى لأستمع إلى قراءتها وأقف على مدى تقدمها في اللغة العربية التي تدرسها كلغة ثالثة.
وأخذت تطالع النص كعادتها عندما تصادف نصا عربيا فتهجي حروفه قبل قراءته.
وقبل أن ينطلق لسانها تحولت عن الشاشة لتقول بأن الأرقام فعلا مذهلة وغير منطقية، ورغبت شرح طبيعتها ومبرر إقبال شعوبنا العربية على أوجه صرف من هذا النوع ، في وقت تمر معظم شعوبنا العربية بظروف غير مطمئنة، لتوسع دائرة الفقر بين مواطنيها، ومعاناة الكثيرين منهم من أجل توفير لقمة العيش، والأمية التي لا زالت موجودة بين العديد منهم، وعدم توفر الكوادر المهنية الماهرة بين جيل الشباب لقصور مناهج التعليم عن تهيئة خريجيها للحصول على مؤهلات العمل في القرن الواحد والعشرين العلمية منها والتدريبية مما يقلل من فرص العمل ويزيد من عدد العاطلين. ومن طبيعة ظروف كهذه أن توفر شرارات الفتن الداخلية، فتوقد نارها تحت شعار الفقر والبطالة وعدم تكافؤ الفرص وإنفراد السلطة ومن حولها بمقدرات البلاد وثرواتها من قبل الطامعين بكرسي الحكم ونهب ثروات بلدهم. ويتناسون أو لا يلقون بالا للهجمة الصهيونية الشرسة التي تهدف إلى بناء إسرائيل الكبرى من الماء إلى الماء ومن الجهات الأربعة لبيت المقدس، أي من مياه الفرات إلى مياه النيل، ومن مياه البحر الأسود إلى مياه بحر العرب، فتستمر إسرائيل في احتلال كل فلسطين وأراض عربية في سوريا ولبنان.
وجدت أن عندها الحق في هذه المحاضرة الشديدة اللهجة. فالأرقام المذهلة التي أمامي على شاشة الكومبيوتر تشير إلى أن الحصيلة الشهرية من الرسائل الخلوية SMS التي يتبادلها شباب وشابات العالم العربي عبر القنوات الفضائية العربية الترفيهية لتظهر على الشريط الموجود أسفل الشاشة في تلك القنوات ، تقارب الثمانية مليون دولار أمريكي، وهي رسائل هابطة وكلمات معظمها تخدش الحياء وتتنافى مع القيم والأعراف.
2- وأن تكلفة إنتاج الفيديو كليب التي تصور وتنتج لحساب تلك القنوات العربية الهابطة يقارب ستة عشر مليارا من الدولارات الأمريكية ، للقطات غنائية استعراضية فاحشة تفتقد الذوق والحشمة ، ولا تحسب حسابا للعادات والتقاليد،
3- وأن مجموع ما يصرف للخادمات الأجنبيات في البيوت العربية هو خمسة وثلاثين ألف مليون دولار أمريكي، وبلداننا حديثة عهد في استيراد معظم أسرها بمن فيهم الطبقة المتوسطة وتحت الوسط التي تكاد تلامس خط الفقر لهذا النوع من الخدمات المنزلية التي تسببت في زعزعة الرباط الأسري ، وفقدان معظم الأطفال لحنان أمهاتهم ، والأزواج لرحمة ومودة زوجاتهم.
4 – وأن مجموع ما تنفقه المرأة العربية على مستحضرات التجميل في السنة الواحدة هو ألفي مليون دولار أمريكي، (منها ألف وخمسمائة مليون دولار أمريكي تنفقه المرأة الخليجية التي تتمتع بنصيب أعلى من العاملات المنزلية لكل منهن تخصصها.
لم أجد ما أقوله لصديقتي إلا أن أطلب منها صرف النظر عن هذه الرسالة المزعجة والبحث عن موضوع آخر يكون واعدا بيوم سعيد ومريح. قبلت اقتراحي على مضض، وهمست لنفسها: “هكذا أنتم أهل المشرق العربي، تتعاملون مع الأحداث القاهرة والمزعجة مثل النعامة”. وعندما سألتها عن مقصدها من تشبيهنا بالنعامة قالت لي نترك هذا لوقت آخر ولنبدأ القراءة بكتاب دليلة و دمنة ، فحديث الحيوانات فيه الكثير من الصدق والموعظة الحسنة، وضحكت ضحكة ألم وتعجب ، محرفة قول والدتها في مثل هذه الأمور: يا أمة ضحكت من إسرافها الأمم.•
كليلة ودمنة
۞ (رشا) معجبة بقصص كليلة ودمنة، وتقول والدتها أنها ورشا يمضيان ما يقارب الساعتين يوميا قبل النوم مع كتاب كليلة ودمنة، الأم تقرأ وتشرح، ورشا تسجل ما يروق لها من الحكم. ومن بين الحكم التي دونتها رشا ليلة أمس:
لا خير في القول إلا مع العمل، ولا في الفقه إلا مع الورع، ولا في الصدقة إلا مع النية، ولا في المال إلا مع الجود، ولا في الصدق إلا مع الوفاء، ولا في الحياة إلا مع الصحبة، ولا في الأمن إلا مع السرور، وأن الأدب يذهب عن العاقل الطيش، ويزيد الأحمق طيشا، كما أن النهار يزيد كل ذي بصر نظرا، ويزيد الخفاش سوء النظر.
سألت رشا عن سر اختيارها لهذه الحكم دون غيرها، فأجابت بأن ما دونته مساء أمس هو أول الغيث، والبقية تأتي. وأنها قد ازدادت قناعة بأن الشرق مصدر الحكمة، وأن أهل المشرق كانوا الأوائل في وضع علم السلوك والأخلاق، وأن ربنا جلت قدرته اختار أنبياءه ورسله من بينهم لهداية البشر. وترى أن فيما دونته من حكم هو وصف لما عليه عالمنا اليوم، ولما تجابهه الشعوب المغلوبة على أمرها من متاعب وصعوبات.
فالحكمة الأولى : لا خير في القول إلا مع العمل، فها نحن نسمع شكوى الكثيرين من عدم اقتران القول بالعمل، وعلى كافة المستويات والأصعدة، وأكثرها إحباطا عدم وفاء معظم الحكام ،بما وعدوا به شعوبهم – وهم يرشحون أنفسهم ومن معهم لتسلم الحكم – من رفع مستوى المعيشة وتوفير فرص العمل بإقامة المشاريع ومراكز التدريب، وتحديث مناهج التعليم والمساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، و..و….إلى ما لا نهاية من الوعود التي تحولت بعد تسلمهم الحكم إلى حبر على ورق، وشعارات ترفع في الأعياد والمناسبات الوطنية.
والحكمة الثانية : لا فقه إلا مع الورع، وهذا يعني ضرورة استقلالية القضاء ونزاهة القضاة، وها نحن نرى في العديد من البلدان تسييس القضاء وتفصيل القضاة للأحكام وفق مصلحة السلطة الأقوى، ومذكرة اعتقال رئيس دولة عربية بتهمة الإبادة العرقية لفريق من مواطنيه دون الأخذ بالاعتبار ما قامت به الحكومة الإسرائيلية من اعتداءات بشعة على الشعب الفلسطيني وأحدثها التصفية العرقية لأهالي قطاع غزة، وما حل بنزلاء معتقل جواتينامو من تعذيب وهدر لكرامة الإنسان، هو خير برهان على انحياز القضاء وتسييسه.
والحكمة الثالثة: ولا في الصدقة إلا مع النية، والصدقة في قاموس مجتمعنا المدني اليوم هي المساعدات الإنسانية لتخفيف معاناة من قسا عليهم الزمن، وما دامت النية هي المساعدة، فلم تقتطع المساعدات من الضرائب والضريبة حق لخزينة الدولة ؟ وما دامت النية هي المساعدة فلم يُشَهّرْ الأغنياء بالفقراء بعرضهم حول موائد الرحمن في شهر رمضان على سبيل المثال؟ لقد زرت عاصمة عربية خلال ذلك الشهر وشاهدت تلك الموائد وتهافت الفقراء والعاطلين عن العمل عليها وعلى موزعي الخبز والفاكهة، منظر فيه الكثير من الإهانة، وكان الأجدر أن توجه تلك الأموال إلى صناديق اجتماعية يتولاها وجهاء الأحياء والمجمعات السكنية لتقديم العون للمحتاجين بطريقة لا تجرح الكبرياء و لا تهين كرامة الإنسان.
والحكمة الرابعة: و لا في الحياة إلا مع الصحبة، وها نحن نجد حولنا مجموعات من البشر وقد حوصرت وعزلت عن مجتمعها الإنساني الكبير وحرمت من إقامة علاقات صداقة وتعاون مع الآخرين فانتشرت بين أفرادها ظاهرة العنف والإرهاب.
والحكمة الخامسة: ولا في الصدق إلا مع الوفاء، وهنا أتساءل عن مدى جدية الشرعية الدولية وهي تصدر قراراتها تباعا لصالح الحق الفلسطيني دون أن تحرص على تنفيذها، وتتجاهل عدم انصياع إسرائيل للشرعية الدولية ، وأخذها العزة بالإثم لتقتل وتهدم وتجرف و تسجن كيفما تشاء وفي أي مكان تريد.
والحكمة السادسة:ولا في المال إلا مع الجود، أي مع الكرم والإنفاق، وهنا أود أن أشيد بنظرة الإسلام إلى المال، ومن أنه أمانة وليس ملكا، وبالتالي لا يجوز احتكاره وتخزينه، بل على من آل إليه المال أن يحركه لخدمة المجتمع بإقامة المشاريع وتشغيل الأيدي العاملة لبناء اقتصاد متين يوفر لمواطنيه العيش الكريم، ولنا في المجتمع الياباني قدوة حسنة.
والحكمة السابعة: ولا في الأمن إلا مع السرور، وأين يأتي السرور للمجتمع إذا كان الأمن في العديد من البلدان يلبس عباءة حالة الطوارئ ويوظف البوليس السري والمخبرين للتصنت على المواطنين وعد أنفاسهم؟
أما القول بأن الأدب يذهب عن العاقل الطيش ويزيد الأحمق طيشا، كما أن النهار يزيد كل ذي بصر نظرا ويزيد الخفاش سوء النظر، فقد استعنت بوالدتي العزيزة لتبسط لي مفهوم هذه الحكمة فقالت بأن علينا أن نتحلى بمكارم الأخلاق ونحن نتعامل مع من حولنا، وإذا وجد بيننا نفر يخلون بالأمن ويعبثون بقيم المجتمع فعلى ولي الأمر حجزهم وعلاجهم ليعودوا إلى مجتمعهم أصحاء يعرفون الحق حقا فيتبعونه والباطل باطلا فيتجنبونه. وأن الحكيم شبه المجتمع القائم على الحب والتعاون بالنهار المشرقة شمسه، والعابثين به بالخفاش، ذلك الطير الأعمى الذي لا يقوى على تمييز النهار من الليل، وتوفر له الظلمة فرصة الطيران فيتخبط هنا وهناك.
طالعتني والدة رشا بابتسامة عريضة وقالت بأن ابنتي رشا، الأسبانية الأب، والفلسطينية الأم، وهي تضع قضية فلسطين في مقدمة اهتماماتها، تعطيني الأمل في عودة الوطن السليب لأهله ليعود السلام إلى مدينة السلام وتشيع المحبة والألفة بين البشر.
وافترقنا على وعد بلقاء قريب.
محمد بشير كردي- مدريد

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s