تجارة يخشون كسادها في العراق وأفغانستان

تجارة يخشون كسادها في العراق وأفغانستان
عبدالله المساوي
2010-11-28

تمثل العلاقة بين الحرب والتجارة إحدى أقدم المواضيع التي اهتمت بها مراكز البحوث الإستراتيجية، إذ لا حرب دون تجارة ولا تجارة دون حرب. وقد ترتبت عن هذه العلاقة نتائج كبيرة.. نتائج غيرت خرائط وخرائط عبر التاريخ وأسقطت إمبراطوريات وأنظمة.. لكن أولى حروب القرن الحادي والعشرين (أفغانستان والعراق) كانت أكثرها إثارة وشراسة إذ خصخص (من الخصخصة) فيهما ‘العنف والقتل’، بعد أن عمدت الإدارة الأمريكية لتقليل خسائرها في أرواح مواطنيها لإقحام الآلاف من المرتزقة بواسطة ‘الشركات الأمنية الخاصة’ في العراق وأفغانستان وباكستان.
هذا التحول فرضته ظروف الحرب، فإسقاط نظام عضو في الأمم المتحدة وخوض حرب تخضع لاتفاقيات جنيف ضده لا يمكن أن يتأتى بجيش نظامي فقط لأن ذلك لن ينهي الحرب
بالسرعة المطلوبة ولن يحقق المآرب وعليه فإقحام ‘المرتزقة’ سيمكن ويسهل المأمورية.
الاسترزاق في الحروب لا مبدأ له إلا مبدأ الولاء لمن يدفع أكثر، ولا هم له إلا تقتيل العزل وترويعهم، ولا شك أن التقارير التي كشف عنها موقع ويكيليكس تظهر بجلاء الوجه الخفي والقبيح لهؤلاء.
كلنا نتذكر ما اقترفته شركة البلاك ووتر في أيلول/ سبتمبر 2007 عندما عاث أفرادها فسادا في الأرض وتقتيلا لمن يمشي فوقها من العراقيين.. وبعد تسليط الضوء الإعلامي عليها غير اسمها إلى Xe Services هربا من الإدانة القانونية.
كثرت الأسماء. . ومن بينها اسم MPRI(1) تلك الشركة التي حازت على عقد تحرير ‘العقيدة العسكرية’ للجيش النظامي الأفغاني بقيمة مئتي مليون دولار بمباركة وزير الدفاع الأمريكي السابق دونالد رامسفيلد الذي كان وراء فكرة ‘عقلنة’ الأداة العسكرية التي تقتضي تحويل و’خصخصة’ عمليات الجيش الأمريكي غير المباشرة أي القذرة و’اللاقانونية’.
أما تدريب القوات الأفغانية النظامية فوصل ثمنه لأكثر من مليار ونصف المليار دولار، وهنا نتساءل هل في صالح كل هذه الشركات الأمنية أن يـــتوقف الصبيب المالي المبرمج لها؟ ثم من يستطيع أن يؤكــــد أن التدريب بنـــقل المعارف العسكرية سيـــكون مـــئة بالمئة؟ الجواب طبعا لا، لأن ذلك يتـــعارض مع مصالح لوبي الصناعة العسكرية في الولايات المتحدة وحلفائها الذين يراهنون على إطالة أمد الحرب واستنزاف خيرات البلد المحتل، وهذا ما دفع رئيس بعثة التدريب في حلف شمال الأطلسي الشهر الماضي للإشارة أن الحلف يعاني نقصا قدره نحو تسعمئة معلم متخصص للمساعدة في تدريب القوات الأفغانية.
وأقر ستيفن ماكاي (وزير الدفاع الكندي) بان كثيرا من المجندين الأفغان لا يعـــرفون ‘مبادئ القراءة والحساب’ هنا نعود للمربع الأول فإذا كانت المشــــكلة محصورة في الأمية فما على الحلفاء إلا أن يبعثوا معلمين يحاربون الأمية بدل إرسال شركات أمنية تقتل كل من يمر بجـــانب مقراتها بدعوى الاشتباه فيه. وما يقال عن هذا البلد يقال عن العراق فآلاف شركات العملاء الذين حشروا أنفسهم في ‘المنطقة الخضراء’ هم الآخرون يستفيدون من تجارة الحرب، فاشتراك الميليشيات ‘الطائفية’ وانخراط قسم منها في وزارتي الدفاع والداخلية والأجهزة الأمنية، سهل مأمورية الغطاء اللازم لعصابات التهريب والاختطاف.ولاشك أن ما حدث في مدينة البصرة من سرقات للبترول العراقي يؤكد أن الميليشيات لا’ تعف عند المغنم’ بل لم يعد يقنعها’الخمس’الشرعي..
وهناك سؤال آخر يطل علينا من زاوية أخرى: أين الأمم المتحدة من كل هذا؟ إن المنظمة الدولية بصمتها المريب هذا شريكة في الجريمة، وهي التي يتشدق أمناؤها العامون بشعار السلام العالمي الذي أصموا به آذاننا لعقود؟
خلاصة القول، إن أعداء الأمة وجدوا في بعض بلداننا العربية مجالا خصبا لخلق سوق عالمية يخصخص فيها العــــنف واختيار العراق وأفغانستان كحقلين للتجارب هو الهدف غير المعلن للولايات المتحدة ولحلــــفائها في العالم الجــديد المراد بناؤه.. عالم حيث ‘اللاقانون’ في خدمة ‘القانون’، حيث الشركات الأمنية في خدمة الجيوش النظامية.. أما نحن أمة العرب فسنبقى سلعة في هذه التجارة، ما داموا مصممين على شراء دمائنا وبيعها ومقايضتها، اللهم إلا إذا حسمنا الأمر مع تخلفنا البنيوي.

1 ـ MPRI فرع لشركة L-3 Communications، أسســــت مــــن طرف الجــــنرالات: كـــــارل ادوارد Carl Edward (القوات البرية) وهاري ادوارد سويسترHarry Edward Soyster (مدير سابق في الاستخبارات العسكرية الأمريكية.
للإشارة فهذه الشركة توظف وحدها أكثر من 300جنرال أمريكي سابق.

‘ كاتب مغربي

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s