متى سيصبح العـربي مواطنـاً في دنيا العـرب؟!

متى سيصبح العـربي مواطنـاً في دنيا العـرب؟!
الدكتور عبدالقادر حسين ياسين
كاتب وأكاديمي فلسطيني مقيم في السويد.
2011-01-11

انـقـضـت على غربتي في هذه الأصقاع الشمالية المتجمدة – قصر الله أجلها ـ سنوات عـديـدة، وفي الغربة تعلمت أشياء كثيرة….و’ غابت عني أشياء’، بالطبع، كما يقول الشاعر.
ومن الأشياء التي تعلمتها أن لنا ـ كعرب ـ ‘وطناً’ لم نكن فيه مواطنين. في الوطن، سواء أكان الوطن الصغير (وطن الهوية) أو الوطن الكبير (وطن الخارطة) كنا نكتفي بالشمس في النهار والقمر في الليل … وهذان كوكبان يقرأ عـنهما الاسكندينافيون في الكتب القديمة والجديدة وقـلـّما يرونهما.
يكدح السويديون العام بأكمله على أمل أن تسطع الشمس فوق رؤوسهم بضعة أيام كل صيف، أو أن تكتمل أمام أنظارهم دورة القمر.
وبين الشمس والقمر كنا، نحن العرب، نكتفي بـ ‘الجبنة والزيتونة’- كما تقول الأغنية – وبين الحين والآخر بالشعر الأسود والعيون السود.
هذا صحيح … ولكن الصحيح، أيضا، هو أن الشمس والقمر والجبن والزيتون والشعر الأسود ليست شروطاً كافية لتجعل منك أو مني مواطناً عربياً محفوظة له حقوق المواطنة.
و’ المواطنة’- في رأيي المتواضع – لفظة تحتاج إلى تفسير لسبب بسيط، هو أن استعمالها الحالي في عـدد من الدول العربية ليس، بالضرورة، الاستعمال الأفضل. فلا يكفي أن يقول لنا الحاكم في مطلع خطابه ‘التاريخي الهام’: ‘أيها المواطنون …!’ حتى نكون كذلك بالفعل.
فـ’ المواطنة’- أصلها ‘وطن’ (رحم الله الدكتور زهير الترك، فقد كان بارعاً في استنباط مدلولات اللسان العربي)، وهي ـ بهذا المعنى ـ تعني علاقة الإنسان الفرد بوطنه … وهذه العلاقة تكون مباشرة أو لا تكون، أي بعبارة أوضح، أنها غير مرتبطة لا بطبيعة الحكم ولا بهوية الحكام. انها ‘حق مقدس’ – إذا بقي لكلمة ‘القدسية’ من معنى في هذا الزمن العربي الرديء الذي هو أبعد ما يكون عن القداسة.
في المجتمع السويدي ـ كما هو الحال في المجتمعات الحديثة التي تحترم كرامة الإنسان وإنسانيته ـ يجري تأطير هذه ‘المواطنة’ ضمن شرائع وقوانين لا يجوز لأية سلطة مهما كانت أن تتجاوزها دون أن تصيب في الصميم بنية المجتمع ذاتها.
فإذا كان ‘اليسار’ في السلطة، على سبيل المثال، يستطيع ‘اليمين’ أن يسخر منها على شاشات التلفزيون الحكومي، لأن الوطن ـ ببساطة ـ ملك للاثنين معاً … وإذا كان ‘اليمين’ في السلطة تفنن ‘اليسار’ في أساليب عرقلة السير كي يضمن للعمال (المنتظمين بالملايين في النقابات الخاصة بهم ) المزيد من الحقوق دون أن توجه إليه تهمة ‘العمالة’ أو ‘الخيانة’.
إنها لعبة صعبة ومعقدة، ولا يمكن أن تكون بنت يومها. انها حصيلة ممارسات وتجارب ديمقراطية طويلة. ولكنها ـ حتى إشعار آخر ـ أفضل نماذج ‘المواطنة’ المعروفة في عالمنا المعاصر.
وبما أننا دخلنا عصر الاستهلاك من أوسع أبوابه، فربما ألهمنا الله واستهوتنا الأساليب الجديدة في التعامل، من جملة ما يستهوينا هذه الأيام من ألعاب اليكترونية وأفلام الفيديو والملابس الجاهزة.
صحيح أن السويديين يقرؤون عن الشمس والقمر في الكتب، ولكن القراءة ليست حكراً عليهم … فنحن أيضا نقرأ متى أتيحت لنا فرصة القراءة، ومتى وجدنا الكتب التي لا تثير غضب الرقابة عن حق كل مواطن في وطنه، وحقه في العودة الى قريته أو مدينته متى شاء بوثيقة سفر شرعية … (هذا ـ على الأقل ـ ما نص عليه ‘الإعلان العالمي لحقوق الإنسان’ الذي تحتفل دول العالم، ومن بينها الدول العربية، كل عام بذكرى إصداره) وحقه في عبور المرافئ والمطارات دون أن يخر ساجداً أمام الحواجز الثابتة و’ الطيارة’ كلما أراد أن يحتفظ برأسه المتعب والمثقل بالهموم سالماً على كتفيه.
ترى، هل حكم على جيلنا أن يعيش إما بلا وطن أو بلا مواطنة؟
هل حكم عليه أن يعيش محروماً من التراب الذي يحن إليه؟
وإذا كانت رغبته الوحيدة أن يموت ميتة طبيعية، وان يعيش أولاده عيشة طبيعية، فماذا يفعل؟
ما هو الحل؟
ليس الحل أن يكون العربي مواطناً في بلاد الغربة…
وليس الحل أن يظل العربي غريباً في وطنه…
في كتابـه القـيـِّم حول العـمـال الأتراك في ألمانيا ،يقول الدكتور ديتلف تسيمرمان، أستاذ علم النفس في جامعة برلين: ‘ليس ثمة أقسى من الشعور بالغربة……’
بلى ….انه الشعور بالاغتراب داخل الوطن…
متى سيصبح العربي مواطنـا في دنيا العرب؟!

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s