ملاحظة

التطرف لقيط تتبنّاه أجهزة المخابرات

التطرف لقيط تتبنّاه أجهزة المخابرات

غازي دحمان

لا يستند التطرف إلى أي أساس اجتماعي، وليست له قواعد فكرية أو دينية حقيقية، فالدين والفكر الأصولي لم يشكلا مرجعاً واضحاً وسنداً صحيحاً للإرهاب وجماعاته، حتى أنه يمكن القول إن المنظومة الفكرية التي تستند إليها جماعات الإرهاب في تبرير سلوكها وتصرفاتها، هي عبارة عن خليط متنافر من القواعد والقيم، ليس لها مثيل في السياق التاريخي الإسلامي، ولا في النسق الديني والشرعي لأي من مذاهب الإسلام وملله.

غير أن تنامي التطرف يعود في حقيقته إلى الفهم المغلوط للإسلام، وتوظيف العديد من الأحكام لاستنباط تشريعات تتيح التطرف لدى بعض الجماعات وتعطيها الرخصة في استباحة العنف، والتي تتمثل في الإسلام كدين ثوري محرك للشعوب وللحركات الإسلامية التي تسعى لعملية التطبيق من خلال إبراز المظاهر الإسلامية والنزول إلى الميدان، قد جعلت هذه الحركات من الإسلام مظلة لإثبات برامجها الجامحة بالقوة والعنف، مستغلة فرضية الجهاد كعنوان للمرحلة وضرورة التخلص من كابوس الغرب ممثلاً بإسرائيل وأميركا.
لقد أوضح علي عبد الرازق في كتابه «أصول الحكم في الإسلام» أن في الإسلام ليس هناك سلطة سياسية، وأصر على أن سلطة الرسول روحية، وأن نظام الخلافة التقليدي ليس واجباً في الشرع أو ليس له إسناد نصي أو دليل شرعي، وإنما ترك الأمر للمسلمين لتحديد الشكل والآلية التي يحكمون بها أنفسهم وأن الشريعة الإسلامية لا تحتوي على أية توجهات سياسية، وإنما ترك المسلمين أحراراً ليحددوا ما يرونه مناسباً لهم من أحكام.
لقد دفع هذه الواقع بالكثير من المهتمين بظاهرة التطرف إلى طرح العديد من الأسئلة حول هذه الظاهرة، ومن ينتجها في البلاد الإسلامية، ولماذا يجري تضخيمها والترويج لقوة تياراتها، وكذلك ما هي إستراتيجية هؤلاء الذين ينتجونها؟
أيضاً دفع هذا الأمر في إطار الحركات الإسلامية إلى ظهور ما أطلق عليه «التيار التجديدي» وهي تيارات تحاول طرح صيغ حديثة وذات طابع إصلاحي داخل الجماعة والمجتمع، وقد لوحظ أن هذه التيارات تدعو إلى عدم تعليب الجانب التنظيمي على الدعوى والاعتراف بالآخر والاستعداد لتفهمه والتفاهم معه، والحاجة إلى خطاب داخلي أكثر تسامحاً يتخلص من نزعة الغلو وغلبة الفكر السلفي والتصالح مع النظم الحاكمة والمشاركة مع بقية القوى السياسية، وكذلك الاهتمام بالأمراض الاجتماعية التي تنتشر داخل المجتمع وتهدده، مثل التطرف والإدمان. ومثل هذا الأمر نجده بوضوح في المراجعات الفقهية التي تقوم بها جماعات إسلامية في مصر مارست العنف.
لقد حاول الكثير من الدراسات والتقارير الغربية، وغيرها، ربط ظاهرة التطرف بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية السائدة في البلاد الإسلامية، وصنفت هذه الظواهر تحت إطار ما سمي بالأصولية الإسلامية، وفي الواقع فإن ثمة شواهد كثيرة وإثباتات توضح بما لا يدع مجالاً للشك خلط هذه التفسيرات والتصنيفات، إن لم يكن قصديتها المشبوهة.
1- أن الأزمة التي تعيشها الأمة الإسلامية هي أزمة سياسية ثقافية اقتصادية، أي باختصار أزمة تطور، وثبت الواقع أن الفكر الأصولي بجملته يفتقر إلى البعد الاجتماعي في متضمناته، فلا يذكر التاريخ تمكن أي أصولي قديماً أو حديثاً من علم (العمران البشري) أو الاجتماع الإنساني وبالتالي تعذر استحضار البعد الاجتماعي في أي من مؤلفات وكتابات الأصوليين.
من جهة أخرى فإن الفكر الأصولي منذ نشأته الأولى تميز بالانفتاح وبقابلية التطوير والمراجعة الدائمة والمستمرة، وإن بقيت موضوعات الاجتماع الإنساني غير حاضرة في هذا الفكر، فإن ذلك لا يعود إلى انغلاقه، بل لعدم اهتمام الأصوليين بهذا العلم. وبالتالي فإن القضايا الاجتماعية والاقتصادية وتزايد الظواهر السلبية، كالفساد الاجتماعي والتبذير وبيروقراطية أجهزة الدولة ونمو العناصر الطفيلية عن طريق اختلاس أموال الدولة وما سواها من قضايا ليس لها علاقة بالتطرف، كما أن تنظيمات المتطرفين لا تعتني أو تهتم بهذه القضايا، فمن غير المعقول أن يهتم تنظيم ما بقضايا اجتماعية ويقتل البشر.
2- إن إدعاء بعض الدراسات السيوسولوجية بأن المهمشين اجتماعياً هم وقود الحركات المتطرفة، هو إدعاء غير صحيح، وذلك انطلاقاً من حقيقة انتماء هؤلاء إلى فئات اجتماعية واسعة تضم حتى الطبقات الوسطى، ويشكلون عالماً واسعاً يمتد عبر الشرائح المختلفة الرابضة في قاع المدينة، وتتباين وتتنوع إيديولوجية هذه الفئات والتي تتمحور حول الإسلام في صورته المبسطة والنقد المرتبط بالشتم لكل ما هو رسمي.
ولقد ثبت أن هذه الفئة وهي أشد فئات المجتمع ارتباطاً بالدولة، وإن كان هذا الارتباط ليس بمعناه الحداثي القائم على احترام الدولة بوصفها مؤسسة وإطارا مانحا للهوية ولعملية التطور الشمولية، ولكن بوصفها مصدر رزق للكثير من هؤلاء، وخاصة وأن غالبيتهم قدمت من الريف، ويعملون في قطاعات الدولة، وحتى أولئك العاطلون عن العمل، أو لا يعملون في مؤسسات الدولة الرسمية، أي في الاقتصاد غير الرسمي، كالمهربات وسواها، فهم مرتبطون بالدولة من خلال رموزها، كالشرطة على سبيل المثال والأجهزة، التي تؤمن لهم مظلة لحمايتهم وهؤلاء بالتالي يشكلون صيداً ثميناً للأجهزة يمكن تشكيلهم وقولبتهم بالطريقة التي يرغبون.
لقد أثبتت دراسة قامت بها إحدى المؤسسات الاجتماعية الفرنسية أن السجون هي أحد أفضل الأماكن التي يتم فيها تنظيم المتطرفين، حيث يتم استغلال أوضاع المساجين الجانحين، ويتم إسقاطهم سواء بالترهيب عبر تهديدهم بجلب أسرهم أو ذويهم وتعذيبهم، أو بالترغيب من خلال دس أشخاص على صلة بالأجهزة وتخديرهم تماماً كما كانت تفعل جماعات الحشاشين في العصور الوسطى مع مريديها. وقد اتضح من خلال عمليات التحقيق التي أجرتها جهات إقليمية أن أغلب المتطرفين قد تم تنظيمهم في السجون، وأن غالبيتهم قد مروا على السجون أو بقوا فيها مدداً معينة.
إذاً فالتطرف في غالبه صناعة مخابراتية، وقد تم تصنيعه في مخابر الأجهزة الأمنية ثم إطلاق جماعاته وتكويناته لتحقيق أهداف معينة، وهي أيضاً نتيجة لصراعات حادة بين أجنحة وتيارات سلطوية معينة، تستخدمه بعض الأجنحة لتخويف تيارات معينة في السلطة، أو لضمان سيطرتها على السلطة والحفاظ على مراكزها في مواجهة أي نزوع أو محاولة لضبط السلطة وترشيد الحكم وإصلاحه، كما قد تستخدمه تلك الأجهزة لإلهاء الشعب أو تخويفه ومواجهة المعارضات المحلية وقمعها، وهكذا أصبحت الجماعات المتطرفة إحدى الأدوات التي تستخدمها بعض السلطات العربية لمواجهة أعدائها الداخليين والخارجيين. وهي ظاهرة ليس لها علاقة لا بالدين ولا بالواقع الاجتماعي للمجتمعات الإسلامية.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s