ملاحظة

مشروع استراتيجية العمل الثقافي في الغرب كما اقرتها المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الايسيسكو)

خلال اجتماع عقد بزغرب ، أقرت المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الايسيسكو) مشروع استراتيجية العمل الثقافي في الغرب، وقد تم اختيار د. صلاح الدين الجعفراوي منسقا عاما لها في أوروبا..
الدكتور عبد العزيز بن عثمان التويجري المدير العام للمنظمة قدم لهذا المشروع قائلا: ” وعيا من المنظمة بأن أي مشروع حضاري يستهدف تقدم الحياة الإنسانية وحمايتها من الانحراف لا يستقيم مساره إلا إذا وجهته مناهج ضابطة واستراتيجيات هادفة، سعت المنظمة منذ إنشائها في 1982م إلى وضع مناهج نموذجية وادلات توجيهية واستراتيجيات تربوية وعلمية وثقافية استجابة لتطلعات المجتمعات الإسلامية في المجالات التنموية الحضارية، وتلبية لطموحها إلى أن تتبوأ مكانتها اللائقة بها بين الأمم في مطلع القرن الحادي والعشرين”.
واعتبر د. التويجري ذلك منطلقا للمنظمة لوضع استراتيجية تطوير التربية في البلاد الإسلامية التي أقرت في 1988م الاستراتيجية الثقافية للعالم الإسلامي 1991م واستراتيجية تطوير العلوم والتكنولوجيا في البلاد الإسلامية 1997م.
من هذا المنطلق كان لا بد من أن توجه المنظمة للجاليات والاقليات الإسلامية في الغرب … ما هي أهداف هذه الاستراتيجية وما هي دوافعها ؟‍‍‍‍.. هذا ما سوف نعرضه:
أولا: الأهداف
تتجه استراتيجية العمل الثقافي الإسلامي في الغرب إلى الفرد المسلم سواء من حيث تكوينه الذاتي أو من حيث تواجده أو تفاعله مع أبناء دينه في المهجر، كما تتجه إلى الجاليات المكونة للجماعة المسلمة بمختلف مكوناتها وفئاتها وأوطانها وأماكن تواجدها في البلاد الأوروبية سواء على مستوى هويتها الإسلامية المميزة أو على مستوى تطلعاتها وأمانيها.
على مستوى الفرد
فعلى مستوى الفرد تهدف الاستراتيجية إلى بناء شخصية المسلم المتميزة بالخصائص التالية:
– الأيمان العميق القائم على أسس العقيدة بما يقتضيه من تصور واع للكون والحياة والإنسان باعتبارها جميعا تجليات للقدرة الإلهية المتعالية وأخصها الإنسان الذي كرمه الله بأن جعله مستخلفا في الأرض يسعى إلى عمارتها.
– الالتزام بأوامر الله ونواهيه والتحلي بالأخلاق الإسلامية السمحة المؤسـسة على قيم الخير والحق والعدل والواجب وكذا التحرك في إطار الشريعة القائمة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا).
– الوعي الكامل بالحقوق الإنسانية الأساسية كالحق في الحياة والحرية والعدل والكرامة والاعتراف للآخرين بهذه الحقوق سواء بسواء دون تمييز أو تفاضل بين البشر، فالإنسان سواء أكان مسلما أم غير مسلم مكرم في ذاته.. (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا).
– امتلاك شخصية قوية ومتماسكة قوامها الاعتزاز بالذات مع التفتح على كل عمل إيجابي وبناء سواء في اتجاه الجماعة المسلمة أو في اتجاه المجتمع المحيط إسهاما في العمل لخير الإنسانية وتقدمها.
على مستوى الجماعة
أما على صعيد الجماعة المسلمة فان الاستراتيجية تهدف إلى تعزيز المقومات الأساسية المميزة لهذه الجماعة سواء من حيث تمثلانها الفكرية والعقدية أو عوائدها الاجتماعية والأخلاقية وذلك من خلال الأهداف التالية:
– التأكيد على التمسك بالهوية الثقافية المتميزة بمكوناتها الوجدانية والفكرية وبأسـسها العملية وجعلها موضوعا لشعور جمعي يمثل الخلفية الفكرية للتصورات والإفهام والمشاعر، تأتلف حوله الجاليات المسلمة في المهجر على أسـس إسلامية راسخة، دون الانعزال عن المجتمع المحيط أو العالم الراهن القائمين أصلا على التواصل. (فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم).
– التمثيل الواعي لعناصر الثقافة الإسلامية والشخصية الحضارية للأمة وكذا الانفتاح على معطيات الثقافات الأخرى تعزيزا للتعارف والتفاهم بين الشعوب في اتجاه استيعاب فاعل قائم على قوة ووثوق وبعيدا عن كل استلاب أو تبعية.
– تكوين صورة إيجابية عن الذات مستمدة من روحية الإسلام الداعي إلى الاعتزاز بالذات مما يترتب عنه اعتراف الآخرين وتقديرهم واحترامهم للمسلمين.
– تعزيز روح التضامن لدى الأفراد والجماعات القائمة على أسس التعايش والتعاون والتكامل والتآخي بين المسلمين الذين تجمع بينهم العقيدة وتؤلف بين قلوبهم. (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا).
ثانيا: الدواعي
يقول مشروع الاستراتيجية: إذا كانت دواعي إقرار استراتيجية العمل الثقافي الإسلامي في الغرب تعود إلى ضرورة تخطيط وترشيد مناهج وأساليب العمل الإسلامي في المجال الثقافي، فأنها تستجيب أيضا لدواع تعود لخصوصية الواقع الذي تعيش فيه الجاليات المسلمة في الدول الغربية، وتفاعلاته، وما يحيط به من تحديات.. أن استقراء هذا الواقع سيبين لنا أن الهجرة الدولية، باعتبارها إحدى أهم الظواهر المرتبطة بدينامية السكان في القرن العشرين، قد أوجدت وضعا جديدا في دول الاستقبال يتمثل في تحولها إلى مجتمعات متعددة الثقافات، وهو الآمر الذي أدى بتلك الدول إلى وضع مخططات في الميادين الاجتماعية والثقافية والتربوية، ترمي كلها إلى إدماج الجاليات والاقليات في النظام القائم باختياراته العلمانية وأخلاقه الوضعية. غير أن تلك الخطط غالبا ما كانت تلقى مقاومة كبيرة، خصوصا عندما يتعلق الآمر بالجاليات المسلمة .. ويعود مصدر تلك المقاومة بالدرجة الأولى إلى حرص الجاليات المسلمة على التمسك بذاتيتها الثقافية وخصوصيتها الإسلامية الأصيلة، غير أن هذا الحرص من طرف المسلمين في الغرب لا يعني انغلاقا على الذات أو انعزالا، بل على العكس من ذلك، برهنت الجالية المسلمة في الغرب على قدراتها على الاندماج الاقتصادي ومشاركتها الفعالة في عالم الإنتاج، وقدرتها على التعايش مع السكان الأصليين في جو من الوئام والتعاون. كما برهنت على قدرتها على التفتح على كل ما هو كونى في الحضارة الإنسانية والتفاعل معه، مع الاحتفاظ بالطبع بموقع التفوق والتمييز الروحي والأخلاقي.
وأخذ بعين الاعتبار مجموعة التحولات التي عرفها العالم في العقود الأخيرة، ومنها على الخصوص طموح العوامة الاقتصادية لأن تصبح عولمة ثقافية تفرض نموذجا ثقافيا واحدا على المستوى العالمي، واعتبارا أيضا لأن المسألة الثقافية أصبحت تشكل العمود الفقري في مجال العلاقات بين الدول فقد يترتب عن الاتصال الثقافي وصراع الثقافات من القضايا في المستقبل ما قد يفوق عددا وحجما ما يترتب على التبادل الاقتصادي والاجتماعي غير المتكافئ.
المسألة الثقافية
اعتبارا لكل ذلك يمكن القول بان العلاقات والصراعات الدولية ستتركز في العقود القادمة حول المسألة الثقافية. وذلك نظرا لان إرادة فرض النموذج الثقافي الواحد ستصدم بثقافات الشعوب الأخرى ومنها الثقافة الإسلامية.
وإذا كان خطر التوحيد الثقافي يتهدد الشعوب الإسلامية في عقر دارها بفعل عولمة الاتصال فما بالك بالجاليات والاقليات المسلمة التي تعيش في بيئة غير إسلامية، حيث تتم تنشئة الأجيال الجديدة من أبناء المسلمين في مؤسـسات لم توضع لهم أصلا.
والحصيلة هي ظهور فئات واسعة من الجيلين الثاني والثالث لا تحسن لغتها الأصلية، كما تجهل مبادئ العقيدة وقواعد الشريعة الإسلامية، ويدل ذلك على أن الجاليات المسلمة في الغرب تعاني في مجال التنشئة التربوية والرعاية الاجتماعية والتثقيف الإسلامي. ففي الوقت الذي نجد فيه أن تلك الجاليات تقبل الاندماج الإيجابي في المجتمعات الغربية، نجد أنها ترفض بكل إصرار فكرة التخلي على هويتها والذوبان في الآخر. غير أن صيانة تلك الهوية والمحافظة عليها يحتاج ألان لتنشئة تربوية إسلامية سليمة، ولبرامج معدة بدقة تخص التوعية والتثقيف الإسلامي والتوجيه والرعاية الاجتماعية.
وتابع التقرير: “فبفعل ضغوط وتحديات الغرب الثقافية والفكرية والحضارية والأيديولوجية نجد أن الحاجيات الثقافية للجاليات المسلمة بالغرب قد أصبحت حقيقة ملموسة، ويتعين على الجهات الإسلامية المعنية العمل على تلبيتها.. وفيما يلي رصد لأهم الدواعي والعوامل التي تدعو إلى وضع استراتيجية للعمل الثقافي الإسلامي بالدول الغربية.
1- استقرار الجاليات الإسلامية بالدول الغربية:
أن للعامل الديمغرافي آثرا مهما فيما يخص تقييم الأنشطة النوعية لساكنة ما. وهنا نجد أن الاستيطان الطويل نسبيا للجالية المسلمة بالدول الغربية، وتركزها في مناطق وأمكنة متقاربة، قد جعل منها تجمعات سكانية يفوق في بعض المناطق مثيلاتها لدى العائلات الغربية، بل نلاحظ انه بالنسبة لبعض الدول نجد أن المنحنى البياني لنسبة الولادات فيها يسير نحو التراجع.
أن ازدياد معدلات الولادات لدى الجاليات المسلمة واستقرارها في الدول الغربية، وتراجع فكرة العودة لديهم، خصوصا منذ تقنين الهجرة سنة 1974 وتعاقب الأجيال التي ولدت في المهجر (الجيل الثاني والجيل الثالث)، كل ذلك حذا ببعض الباحثين والمهتمين بقضايا الهجرة إلى طرح فكرة ضرورة إعادة تعريف المهاجر أو المغترب، لأن هذا المفهوم لم يعد يعكس الواقع الموضوعي، ذلك أننا لم نعد أمام فئات نزحت من البلد الأصلي إلى البلدان الأوروبية بحثا عن الرزق، بل أننا أمام فئات استقرت بشكل نهائي في أوروبا وأوجدت أجيالا متعاقبة لم تهاجر على الإطلاق.
انهم اصبحوا عبارة عن اقليات لهم خصائصهم الديمغرافية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية.. والخلاصة هي أن الإسلام اصبح أحد الديانات الأساسية الحاضرة في أوروبا، ويكاد يكون هو الديانة الثانية في بعض تلك الدول، ويشير التقرير الختامي لاجتماع الخبراء لوضع استراتيجية العمل الثقافي في الغرب لهذه الوضعية الجديدة والمتمثلة في استقرار الإسلام والمسلمين في الدول الغربية حينما يقول:

– ” أن الوجود الإسلامي في أوروبا غدا واقعا حيا مستقرا يضرب بجذوره في أجزاء من أوروبا، التي عاشت ردحا من الزمان في ظل الإسلام، وأسهمت من خلال تعاليمه المضيئة وحضارته الزاهرة في الحضارة الإنسانية”.
– ” أن الوجود الإسلامي بواقعه وقضاياه بات يمثل ثقلا بشريا وحضاريا باهتمام المخططين والاستراتيجيين على مستوى العالم الإسلامي، وعلى مستوى قادة الرأي والمسؤولين في المجتمعات الأوروبية بمختلف تخصصاتها واهتماماتها.
– ” أن المسلمين بفعاليتهم المختلفة اصبحوا جزءا لا يتجزأ من مجتمعهم الأوروبي الكبير، لديهم القدرات والكفاءات الذاتية التي تخولهم امتلاك زمام أمورهم، والتخطيط لحاضر هم ومستقبلهم والقيام بدورهم الإيجابي”.
تأسيسا على كل ذلك لا يمكن أن نترك الأجيال المغتربة اليوم في حالة العزلة، كما لا يمكن تركها في حالة التشتت والانقسام إلى طوائف وتيارات، بل أن ضرورة العمل الإسلامي تفرض علينا أيجاد وتنفيذ استراتيجية لتغيير الواقع الثقافي للجاليات، ومحاصرة الخطر الفكري الذي يهدد معتقداتها الإسلامية، وذلك بالاعتماد على المرجعية الثقافية الإسلامية الأصيلة.
2- غياب التنسيق بين المراكز الثقافية الإسلامية:
تسعى المراكز الثقافية الإسلامية بالغرب لتحقيق أهداف تتعلق بالتوعية والتثقيف الإسلامي، وربط الصلة بين المسلمين بما يخدم تحصين هويتهم الإسلامية وتقوية انتمائهم وحفز الهمة لديهم للعمل بما يرضى الله ويخدم مصلحة المسلمين في الغربة. غير أن التباعد الجغرافي بين المراكز الإسلامية نتيجة اتساع رقعة أوروبا، كان من بين العوامل التي ساعدت على عدم وجود تنسيق بين خطط العمل الثقافي المتبعة في تلك المراكز، وهو الأمر الذي أدى إلى وجود اختلافات بين مناهج العمل في تلك المراكز، وعدم الاتفاق حول تحديد الأولويات في المجال الثقافي.. أن غياب تصور موحد حول المقاربة الثقافية الإسلامية في المهجر كان من جملة الدواعي التي دفعت لوضع استراتيجية للعمل الثقافي الإسلامي في الغرب. وهي التي سوف تساعد على وضع خطة لتوحيد مناهج العمل الثقافي الإسلامي بين المراكز الإسلامية وقادة الرأي المسلمين في أوروبا، وتساعد أيضا على تطوير رسالة المراكز في مجالات التثقيف والتربية والأعلام والاتصال، بما يتلائم مع لغة العصر ويتماشى مع مستلزمات تعزيز الانتماء لدى الشباب.
3- تنامي المد العنصري:
لقد كان من نتائج الأزمة الاقتصادية التي عانت منها الجاليات المسلمة في الغرب عدة انعكاسات آثرت في العلاقات التي تربط بين السكان الأصليين والجاليات المسلمة. وظهرت نتيجة ذلك موجة من العنصرية وكراهية الأجنبي.. كان المسلمون من ضحاياهم فرغم المجهودات التي تبذل على مستوى المجموعة الأوروبية، فانه لم تتخذ إجراءات حاسمة وفعالة لوقف تنامي المد العنصري على مستوى الواقع المعيشي، وهكذا استمرت حالة المضايقة العنصرية للمسلمين خصوصا حينما يتعلق الآمر بممارساتهم شعائرهم الدينية. كما أن هناك استمرارا في وضع قوانين تتعلق بتنظيم الهجرة والإقامة والإدماج دون مراعاة لمبادئ المساواة وحقوق الإنسان، كما أن هناك انتشارا واسعا للأفكار المغلوطة عن الإسلام، وكذلك للأحكام المغرضة عنه، نتيجة سوء فهم الإسلام عقيدة وشريعة والحكم عليه بناء على بعض الممارسات التي لا تمت للإسلام بصلة، مما يدعو إلى أيجاد خطة ثقافية إسلامية لفائدة الجاليات المسلمة تحمى أصالتهم وتحصن هويتهم.
4- الاتجاه العلماني للمجتمعات الغربية:
لقد ارتبط تكوين وتأسيس المجتمعات الغربية بمبادئ وقواعد افرزها التطور الذاتي لتلك المجتمعات ومنها على سبيل المثال التوجه العلماني والمادي لتلك المجتمعات، ورغم تراجع الفلسفات الوضعية والنزعات الإلحادية حاليا في الغرب، فما يزال هناك حضور قوي للتوجه الذي يرمي إلى إزالة القدسية عن كل شيء والى اختزال الدين في مجرد مسألة الحياة الخاصة.. أن الناشئ المسلم في تلك المجتمعات العلمانية قد يتعرض لتأثير النزعات العلمانية والاتجاهات الوضعية، أما عبر التنشئة المدرسية أو الإعلامية أو من خلال علاقاته وتفاعله مع محيطه. لذلك ينبغي الحرص على أن تستجيب استراتيجية العمل الثقافي الإسلامي في الغرب لحاجيات ورغبات الشباب المسلم في مجال تحصين هويته وتمنيعها ضد كل ذوبان، والمحافظة على خصوصيته الثقافية، وذلك تدعيما للحق في الاختلاف الذي اصبح مكونا أساسيا من مكونات حقوق الإنسان ودعامة للتنوع الثقافي الذي أضحى اليوم قاعدة من قواعد القانون الدولي، وذلك استنادا إلى ميثاق الأمم المتحدة والعهود والاتفاقيات التي تحكم علاقات التعاون الثقافي بين المجموعة الدولية لكل ذلك وجب وضع استراتيجية للعمل الثقافي الإسلامي تحرص على تقديم الزاد المعرفي والروحي والأخلاقي الذي سينير الطريق لأبناء الجالية المسلمة وذلك انسجاما مع الوسطية الإسلامية وتفاديا للسقوط في متاهات التفريط أو الإفراط.
5- التغريب الممنهج لأبناء الجالية عبر التنشئة المدرسية والإعلامية:
يتعرض أطفال الجاليات المسلمة لمسلسل ممنهج يرمي إلى ترسيخ القيم الغربية وزرع أنماط التفكير والسلوك والعادات المرتبطة بها، ويبتدئ هذا المسلسل منذ مرحلة الروض مرورا بمراحل التنشئة التربوية بالمدارس، وتأثرا بمضغوطات الشارع ووسائل الأعلام، وغيرها من المؤثرات الخارجية في المحيط الاجتماعي وعالم الشغل.
ولو أخذنا كمثال فقط المناهج الدراسية المعتمدة في الدول الغربية، سنجد أن أغلبها لم يقم بدمج المقاربة التي تنادي بالتداخل الثقافي Intercultural، رغم تبنيها من طرف البعض من تلك الدول، وهكذا تشير الدراسات في هذا الباب إلى أن معظم ما كتب عن الإسلام في المناهج، ليس كما هو في حقيقته وجوهره. والنتيجة ستكون هي تشويه صورة الإسلام في أذهان المتلقين. سواء كانوا من أبناء الجاليات أو غيرهم، لأن هناك إصرارا على تقديمه كدين لا يستطيع مواكبة متطلبات الحداثة.
كما أن المناهج الأوروبية لا تترك أي مجال لتعليم اللغة الأصلية لأبناء الجاليات المسلمة، وكل ما انجز في مجال تعليم اللغات الأصلية هو عبارة عن تجارب محدودة جدا في الزمان والمكان، تقام في هذه المقاطعة أو تلك، ورغم إيجابية النتائج التي تسفر عنها تلك التجارب، فانه لم يتم الانتقال إلى مستوى تعميمها. فرغم توصيات المربين وعلماء النفس التي تؤكد أهمية ودور الأم في توازن الطفل واستقراره النفسي والعاطفي وبناء شخصيته الذاتية، ودورها أيضا في تفادي الفشل الدراسي وعدم التكيف المدرسي، فان المدارس الأوروبية مستمرة في رفضها إدماج اللغات الأصلية ضمن مناهجها وحصصها التعليمية. مما دفع بأبناء الجاليات المسلمة إلى اللجوء إلى المدارس المسجدية، والمراكز الثقافية الإسلامية لتعلم لغتهم الأصلية، لكن غالبا ما يتم ذلك خارج الدوام المدرسي، في مدارس نهاية الأسبوع، مما يؤدي في الكثير من الاحيان إلى إرهاق الأطفال.
أما وسائل الأعلام المختلفة فأنها تتمم ما تقوم به المناهج المدرسية حينما تشن حملتها المسعورة ضد الإسلام، ومحاولاتها ربطه بممارسات بعض المتشددين والغلاة، أن هدفها يرمي في نهاية الآمر، إلى تحقيق تلازم في ذهن المتلقي بين الإسلام والعنف.. وهي أهداف بقدر ما فيها من تسطيح للوقائع الموضوعية، بقدر ما تتضمن كراهية شديدة للإسلام، ونظرا لأن وسائل الأعلام تخاطب الإدراك السمعي البصري اكثر مما تخاطب العقل والوعي النقدي. فان خطورة تلك الحملات قد تصل آثارها إلى أبناء الجاليات المسلمة أنفسهم. لذلك ينبغي الحرص على التصدي لتلك الحملات، وذلك بوضع خطة محكمة للتثقيف الديني وتصحيح صورة الإسلام بتقديمه في أصالته وحقيقته وكذلك العمل على تطوير طرائق تدريس اللغة العربية في بيئة غير عربية وتعميم تدريسها لأبناء الجالية باعتبارها لغة القرآن الكريم ودعامة للهوية الحضارية.
6- زحف العولمة والاختراق الثقافي:
لقد تبلور في أعقاب نهاية الحرب الباردة نظام عالمي جديد اصطلح على تسميته فيما بعد بالعو لمة، وهو نظام يقتضي إخضاع العلاقات الدولية في مجالات التجارة والاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا لهيمنة الشركات متعددة الجنسيات والمنظمات عابرة للقوميات. وقد واكب ذلك ظهور تحولات كبرى على صعيد الخريطة السياسية العالمية بحيث تفككت بعض القوى وتركت المجال واسعا لظهور القطب الواحد الذي انفرد بزعامة العالم، وتمكن من التحكم في نظام العولمة لتحقيق مصالحه الاقتصادية والسياسية.
غير أن تحكم العولمة في مجالات الاقتصاد والمبادلات التجارية دفعها إلى محاولة التحكم أيضا في النظام الثقافي العالمي وهكذا بدأت تظهر في الأفق محاولات فرض نموذج ثقافي عالمي، دون اعتبار للخصوصيات الثقافية للشعوب والاقليات والجاليات، وفي هذا السياق سنجد أن هناك عدة أسئلة تفرض نفسها ومنها على سبيل المثال: كيف يتسنى المحافظة على الهوية الثقافية والحضارية في ظل العولمة الباسطة نفوذها اليوم على المجتمع الدولي؟.. بل كيف يمكن التوفيق بين مقتضيات السيادة الوطنية وبين متطلبات العولمة؟.. ان اتجاهات العولمة تسير نحو التأثير السلبي على الهوية والسيادة معا كما نتساءل أيضا عن مصير التنوع الثقافي الذي تضمنه المنظمات الدولية المتخصصة والمواثيق والمعاهدات والاوفاق الدولية.
من المؤكد أن العولمة نفسها هي نظام في طور التكوين والتأسيس ولم تبلغ بعد الشكل النهائي الذي سوف تستقر عليه. وهناك العديد من الباحثين في مستقبل نظام العولمة يتوقعون حدوث تحولات جذرية في العقدين القادمين من شأنها أن تعدل من اتجاه العولمة الحالي. كما أن هناك باحثين آخرين يعتبرون أن التحكم في النظام الثقافي العالمي لن يتم بنفس السهولة التي تم بها التحكم في النظام الاقتصادي والتجاري، بل بالعكس ظهرت بوادر تدل على أن العولمة عملت على إيقاظ الوعي بالخصوصية الثقافية والحضارية لدى الشعوب والاقليات.
وإذا كان من المستبعد حاليا الانفلات من ضغوط العولمة الاقتصادية والتكنولوجية فانه بالإمكان أيجاد تيار ثقافي مضاد يقف في مواجهة روح الهيمنة التي تنطوي عليها هذه العولمة فكرة ونظاما، وتطبيقا وممارسة، وفي التعامل مع الآثار المترتبة عليها. في انتظار بروز قوى عالمية جديدة ستكون مناوئة للقوة المتحكمة حاليا في مقاليد النظام العالمي أو على الأقل منافسة لها منافسة الند للند.
ولا شك إن قضايا الهجرة وإشكالياتها المعروفة المتعلقة بالمحافظة على الهوية الثقافية أمام محاولات الاحتواء والتذويب، ستتأثر بشكل كبير بظاهرة العولمة. وفي هذا الإطار نتوقع إن الجالية المسلمة في الغرب ستضطر لمجابهة ثقافتين في نفس الوقت: إحداهما هي ثقافة دولة المستقر، والثانية هي ثقافة العولمة، ولا ينبغي الاعتقاد بان الثقافتين متطابقتين لأنه لو كان الأمر كذلك لما طالبت بعض الدول الأوروبية بما يسمى بالاستثناء الثقافي.
لقد قلصت ثورة الاتصال الحديثة التي واكبت العولمة من العوائق التي تعود للمسافات والحدود بين الدول، ويمكن للدول الإسلامية والمنظمات الإسلامية المختصة إن تضع استراتيجية جديدة في مجال الأعلام لضمان التواصل المستمر مع الجاليات المسلمة. وذلك عن طريق الفضائيات وعن طريق الاستغلال الجيد للثقافة الحديثة في مجال الاتصال متعدد الوسائط. إن الاتصال النافذ ينبغي إن يمر ألان في عصر العولمة عبر تلك التقنية الحديثة لذلك ينبغي وضع خطة محكمة لتوظيف كل الوسائل والتكنولوجيات الحديثة واستغلالها لصالح تطوير العمل الثقافي الإسلامي. وفي هذا الإطار ينبغي العمل على إدخال الإسلام إلى شبكة الإنترنت واستعمال وسائل الاتصال متعدد الوسائط لنشر وتعميم الدراسات والمناظرات المتعلقة بتصحيح الأخطاء التي ارتكبت في حق الإسلام.
7- السير في اتجاه توحيد السياسات الأوروبية تجاه الهجرة الإسلامية:
لقد أدركت أوروبا منذ مدة أن مواجهة مشاكل الهجرة لا يمكن إن يتم بشكل انفرادي على مستوى كل دولة، لذلك التجأت إلى تنسيق وتوحيد السياسات والاستراتيجيات الأوروبية تجاه الهجرة الإسلامية. وذلك على مستوى اللجان المتخصصة بمجلس أوروبا والاتحاد الأوروبي. واعتبارا لذلك فان من واجب المسلمين في أوروبا العمل على توحيد خطتهم تجاه الوجود الإسلامي هناك، تلك لخطة التي يجب إن تهدف إلى توفير الشروط الضرورية لكي يحتل أفراد الجالية المسلمة المراكز والمواقع الهامة داخل مجتمع الهجرة سواء في المجالات الاقتصادية أو الثقافية أو السياسية أو الإعلامية.
تلكم كانت أهم الأسباب والدواعي التي تحتم علينا وضع استراتيجية للعمل الثقافي خاصة بالجاليات المسلمة المقيمة في الغرب، وهي – كما لاحظنا ذلك – دواعي ناشئة من كون المسلمين في بيئة غير إسلامية/ هم بمثابة الخطوط الأمامية لهذه الآمة على حدودها مع الغرب. وبالتالي فهم اكثر إحساسا بالصدمات الناشئة عن الاحتكاك الحضاري والثقافي وما ينشأ عن ذلك من إحباط وفراغ روحي وأزمة للهوية وتأثيم للذات. وفي خضم هذا الوضع الصراعي ومن خلال دينامية الوجود الإسلامي بالغرب ظهرت الحاجة الماسة لإيجاد التوجيه الثقافي الإسلامي الملائم، وإيجاد الوسائل والبتيات التحتية الضرورية لتفعيل ذلك التوجيه. وينبغي لهذا التوجيه إن يخدم المبادئ التالية:
1- إن يساعد على تجاوز الإحساس بالانشطار والحيرة وأزمة الهوية، وكل ما من شأنه أن يؤدي بأفراد الجالية إلى التهميش أو التطرف أو الانحراف.
2- أن يساعد على خلق شروط تنمية ثقافية إسلامية شاملة بالغرب. وذلك لأن جوهر عملية الانتماء الثقافي هو عملية تحرر وإحساس بالتفرد والأصالة واكتساب القدرة على صيانة الخصوصية الثقافية وتجديدها ومن شأن كل ذلك إن يساعد الجالية على الاستقرار والتمسك بدينها وعلى التكيف مع محيطها والتعايش معه والتفتح عليه، وعلى تحسين مراكزها وأدوارها الاجتماعية والثقافية مع احترام قوانين بلد الإقامة. وبكلمة واحدة تحصين الذات وتقوية الانتماء.
إن لهذه الاستراتيجية مرجعيتها ومنطلقاتها وخصائصها التي تميزها. كما إن لها خصوصياتها التي تتمثل في الانطلاق من رؤية مستقبلية إسلامية تحتل واقع وآفاق الوجود الإسلامي في أوروبا، وصولا لاستيعاب كل إيجابيات الحداثة، مع تحصين الذات وتمتين الانتماء. كما أنها تستمد الكثير من رؤاها وتوجهاتها وأهدافها الكبرى من الاستراتيجية الثقافية للعالم الإسلامي التي اقرها مؤتمر القمة الإسلامي المنعقد بدكار سنة 1991م، لكن دون التفريط في خصوصية الواقع الثقافي للجاليات المسلمة في الغرب، وخصوصية الحاجيات والرهانات الثقافية المطروحة، غير إن لهذه الاستراتيجية عوائقها وعقباتها ورهاناتها التي يجب عليها إن تتخطاها وان تبرهن عن جدواها، وملاءمتها للواقع الغربي الذي يوف تنفذ فيه. وفي هذا الإطار لا بد من إنجاز تشخيص للأوضاع الثقافية والاجتماعية للجاليات المسلمة في الغرب والاتجاهات والعوامل الذاتية والموضوعية المتفاعلة داخل المشهد الثقافي للجالية المسلمة في الغرب.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s