ملاحظة

‘بيوتيفول’: أوروبا المتبخترة نحو الجحيم

‘بيوتيفول’: أوروبا المتبخترة نحو الجحيم
راجي بطحيش
2011-03-08

هنالك أكثر من ألف زاوية يمكننا من خلالها قراءة الفيلم الاحدث والأشهر في السينما غير الناطقة بالإنكليزية لهذا العام، ‘بيوتيفول’ فقد استقبل بعض النقاد الفيلم الإسباني بفتور وأحيانا بامتعاض أولا لأنه يطرح قصة بطله الأربعيني الذي يكتشف إصابته بالسرطان، فيمضي بإعادة إنتاج علاقاته بكل من وما حوله عبثا، في أشهره الأخيرة، وهي قصة تم تقديمها عشرات إن لم نقل مئات المرات على الشاشة، وقد أصبحت بالفعل ممجوجة.
وثانيا لأن الفيلم يحوي العديد من المشاهد التي ترقص على الحدود الفاصلة بين القذارة المحتملة والقذارة الإباحية (البورنوجرافية) غير المبررة.. ولكنني ومع كل هذه الملاحظات التي تبدو بعضها جديرة بالبحث، شاهدت الفيلم للمرة الأولى بشحنة مختلفة كليا، حيث تمركزت حواسي حول هم واحد وصادم طرحه الفيلم بعنف بديع.. ولا شك أن الحراك الثوري المتأجج في الضفة الأخرى من المتوسط لم يساهم بشكل كبير في خروجي خارج هذه الدائرة المشحونة.
يقول الفيلم، من وجهة نظري بصريا ومشهديا، جملة استراتيجية جارفة وجافة ‘أوروبا ماضية نحو الانفجار المأساوي، طالما بقيت الضفة الجنوبية للمتوسط على هذه الحالة من اليأس والفقر’، وما يعزز هذه القراءة، اختيار مدينة ‘برشلونة’ أجمل مدن إسبانيا وأوروبا قاطبة، ومحج السياح الباحثين عن السعادة غير المشروطة، لتكون محور أحداث الفيلم، يدخل المشاهد الفيلم ويبحث يائسا عن لقطة أو حتى لمحة سينمائية تقدم ملمحا من برشلونة التي يعرفها أو سمع عن سحرها.. مدينة الجمال والسعادة الكتالونية والرخاء الاقتصادي والحرية غير المحدودة والأناقة والخيار المتوسطي الأقرب الى المثالية… بينما يلقي المخرج بنا في المستنقع البرشلوني الصادم، حيث المهاجرون الأفارقة، وتجارة الرقيق، والبيوت القذرة والنقيض المطلق للسعادة الإسبانية وتغلغل المأساة الأفريقية /العربية واختراقها حاجز الضواحي- مركز المدينة، حيث نشاهد المطاردات بين الشرطة والمهاجرين في قلب ‘البوستكارد البرشلوني’ أي جادة الرامبلا والبلدة القديمة.. يرسم المخرج لوحة قاتمة جدا للمدينة الجارحة الجمال وكأنه يقول لنا: لن تستطيع أوروبا كنس ‘بعبع’ المهاجرين وبؤسهم بعد الآن عن مراكز باريس وبرلين وروما ومدريد وبرشلونة.. وانا اقول وبوحي من موقف اوروبا الرسمي المتواطئ مع الأنظمة المجرمة في جنوب المتوسط إلى أن أصبح النفط مهددا بالانقطاع، إضافة إلى تغذيتها للفوضى العارمة في أفريقيا جنوب الصحراء كي يتسنى لها نهب ثرواتها واستعبادها من جديد، تاركة الفتات للنظم الاستبدادية الفاسدة الحاكمة هناك وتاركة المجاعات والفقر المدقع ينهش البشر.. تبدأ أوروبا في Biutiful متمثلة بعروس مدنها بدفع ثمن نفاقها واعتقادها أن الحرية والرخاء من حق مواطنيها البيض فقط… في Biutiful أيضا نشاهد رد الفعل الأوروبي الشعبي المتمثل بنمو الفاشية من جديد ولا شك ان إيطاليا برلسكوني ماضية بقوة في هذا الاتجاه… ولكن الفيلم يذهب بعيدا في هذا الاتجاه، حيث يرسم سيناريو اسود يعيد أوروبا إلى عهودها المظلمة… حين يشتري بطل الفيلم مقاول العبيد مدافئ غازية معطوبة لسعرها المنخفض، مما يؤدي الى اختناق وموت عشرات الأطفال والنساء والرجال العاملين الأجانب والنائمين في غرفة صغيرة والإلقاء بهم في أعماق البحر لتلفظهم الطبيعة من جديد إلى شاطئ برشلونة المترف كشهادة على المأساة المحدقة.
‘ كاتب من فلسطين

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s