ملاحظة

المشهد المصري بين شباب الثورة وشيوخ السلطة

المشهد المصري بين شباب الثورة وشيوخ السلطة
محمد عبد السلام منصور

أي عين، مهما بلغت دقة نظرها، لم تكن بقادرة على التقاط صورة ثابتة، لذلك المشهد السياسي المصري، الذي التقى فيه الجمعان: السلطة، والثورة، وما كانت البصيرة، بقادرة أيضا على تصور مسارات اتجاهاته، مهما التصق منطقها بوقائع ذلك المشهد المهيب، فقد كان يتشكل في خطى متسارعة، على يد ثورة شعبية سلمية عازمة على إسقاط شيخوخة نظامٍ عجز عن قمعها وأبى الرحيل، وكان يتم ذلك تحت سمع وبصر جيش بدا أول أيام المشهد وكأنه حائر الإرادة بين طاعته للنظام، وولائه للشعب.
ومما زاد الأمر تعقيدا أن المواجهة بين شباب الثورة وشيوخ النظام كان قد وصل إلى حد صراع الإرادتين، داخل دائرة.. ‘ إمّا ..أو..’: إمّا سقوط النظام، أو اندحار الثورة، صراع جرحت فيه السلطة وقتلت، من شباب الثورة، عددا أَصْمَتَ الرصاصَ، ليبدأ طرفاه العراك الأمرّ، عض البنان، والرهان على الوقت. أشهر فيه الشباب سيف الشرعية الثورية، فاحتمى الشيوخ بحائط الشرعية الدستورية، اعتصم الشباب في الميادين العامة، يدعون الشعب إلى مظاهرات سلمية، بينما استخدم شيوخ النظام أجهزة وإمكانات الدولة: إدارية، إعلامية، أمنية. . وبدأت تسبح في أجواء المعركة فقاعات من حوارات الوسطاء ووعود النظام ونصائح سياسيين من الداخل ودول من الخارج، ثم تنطفئ دونما حلحلة لموقف أي من المتصارعين، أما الجيش فسكن قلوب الطرفين رجاءً وخوفاً، صار الفضاء السياسي مفتوحا أمام كل الاحتمالات، والعرب، حابسو الأنفاس، شاخصةٌ أبصارهم، يضعون أيديَهم على قلوبهم، ينتظرون الآتي من مصر لقناعة الجميع، حكاما ومحكومين، أنها تعاني مخاضا عسيرا… فإما البشارة آتيةٌ… أو النعي، وكان لكل منهما، في ذلك المأزق السياسي، شوقه الخاص.
كنا جميعا مستلبين أمام ذلك المشهد الصادم بسببين:
أولهما أننا لم نكن نمتلك إزاء المشهد المضطرب سوى ترك البصر يجري لاهثا وراء سباق وقائعه الجزئية المتسارعة مترقبين ساعة حسمها، ومرت ثمانية عشر يوما حاسماً لم نظفر خلالها إلا بمقلقات نفسية واضطرابات عصبية، تلتمع فيها بوارق الأمل مع واقعة هنا ثم تخبو لدى حادث هناك، حالة نفسية، وعصبية لم نستطع الخلاص منها ولا معرفة صحة تعبيرها عن واقع ما يجري، لكنها كانت الحالة الطبيعية، التي لا بد أن نقع فيها، بسبب أننا نجهل ما سوف تتمخض عنه الأحداث، مع علمنا بأن النتيجة، أيا كانت، سوف يكون لها أكبر الأثر على الآتي من واقعنا السياسي، فيما يخص: مصير الدولة الإقليمية، كينونتنا العربية، علاقاتنا في الداخل والخارج، ومما يكرس تلك الحالة النفسية التي وقعنا فيها أننا، حاكمين ومحكومين، وقفنا عاجزين عن صنع أي شيء يساهم في اتجاه ذلك المأزق السياسي الذي اختاره شباب الثورة لشيوخ نظامهم السياسي في مصر.
السبب الثاني آت من واقع المشهد السياسي ذاته، إذ سيكون من المستحيل علينا، في حمّى متابعتنا للأحداث المتسارعة، أن نتوقف بالبصيرة الثاقبة فنشرع في استخدام وسائلها العلمية، باحثين عن مجموعة الأسباب التاريخية الاجتماعية الاقتصادية الثقافية السياسية التي تفاعلت فيما بينها لتحتم اندلاع ثورة شباب مصر، وماهية الأسباب التي جعلت الشعب المصري يهرع بكل فئاته ليلتف من حول الثورة ويخرج في مظاهرات سلمية حاشدة أفزعت السلطة المصرية، والتعرف على الأسباب التي أدت إلى جنون مسعور أصاب السلطة في مصر ودفعها، كما رأينا، إلى اختيار أساليب متخلفة وغير أخلاقية استخدمت فيها الخيل والجمال ودهس العربات والبلطجة والسلاح الحي فقتلت من شباب الثورة وجموع الشعب من أججت دماؤهم الأنفس، فازداد الشعب إصرارا على موقفه، وتشددا في مطالبه وعلى رأسها إسقاط النظام.
نعم كنا جميعا، حاكمين ومحكومين، مستلبين عاجزين، عن عمل أي شيء، يغير مجرى الأحداث، لا يستطيع أي طرف منا النظر المتأمل في أي شيء منها، وكأن كلا منا يختبئ في خوفه ورجائه، ينتظر انتصار رديفه، ليستقوي به على نقيضه، حتى قُضيَ الأمرُ الذي كنا فيه مختلفين.
والآن..؟ أظن أن هذه هي اللحظة المناسبة للخروج من مخبئنا نتأمل معا بعقول مفتوحة واحدا من أبعاد المشهد السياسي الثائر في مصر، هو في رأيي أخطر أبعاده كلها، أقصد به البعد الأخلاقي، متمنيا أن يكون هو البوابة التي نعبر منها إلى استعراض أهم الأسباب التي أوغرت وما زالت توغر صدور الجماهير العربية ضد حكامها، وتجعلها مهيأة لإشعال نيران الثورة عند انطلاق أول شرارة مهما كان سبب انطلاقها.
يمكن لنا، بسهولة تامة، أن نستخلص، من المشهد السياسي المصري، بُعْده الأخلاقي، بشقيه المتحضر والمتخلف، من خلال سلوك شباب الثورة أثناء وبعد المظاهرات، وسلوك شيوخ السلطة في مجابهتها. رأينا بوضوح كيف استطاع شباب الثورة أن يلتزموا سلوكا حضاريا راقيا، بكفاءة عالية؛ فقد حرصوا على أن تكون مظاهراتهم سلمية، جعلوا شعارهم الأثير (سلمية، سلمية)، دعوا جموع الشعب المتظاهرة معهم إلى التزام هذا الشعار، حتى لو تعرضوا للاعتداء، أكثر من ذلك رأينا تدافعهم بشجاعة نادرة، ليشكلوا، حول المتحف المصري، حائطا جسديا أعزل يصد هجمات البلطجية المسلحين، الذين أرادوا سرقته، والعبث بمحتوياته، وهم يستغيثون بجيش مصر كي يهب ليحمي معهم تراث مصر. سمعناهم، فور تخلي الرئيس عن السلطة، ينادون في الناس: لن ننتقم ممن أعملوا السلاح فينا، وها نحن منصرفون إلى استكمال ثورتنا المدينة السلمية حتى تتم تلبية مطالب الثورة فهي الضامن الوحيد لانتقال مصر إلى دولة مدنية ديمقراطية، وشرعوا من اليوم التالي في تنظيف الميادين والشوارع بأنفسهم، وفيهم الطبيب، المهندس، القاضي، المحامي، الأديب وغيرهم. وفي مقابل سلوك شباب الثورة الحضاري ذي الأخلاق الإنسانية المتحضرة، شاهدنا شيوخ السلطة يلتزمون إزاء المتظاهرين سلوكا حيوانيا مسعورا، تجرد من كل معاني الإنسانية، استخدموا جميع وسائل القمع، جرّحوا وقتّلوا المواطنين، ضربا بالعصي، ركلا بالجزم، دهسا بالسيارات، رميا بالرصاص، وهم مدنيون مسالمون عزل، أسوأ من ذلك، أنهم، حين عجزوا عن دحر المتظاهرين، أخلوا مقار الأمن من أفرادها والسجون من مجرميها، فألبسوهم ثيابا مدنية، وضموهم إلى بلطجية الحزب الحاكم وذوي النفوذ، لينتشروا في الشوارع، يعيثون في الأرض فسادا، فانفرط أمن المجتمع: نُهبت بيوتٌ، انتهكت أعراضٌ، أحرقت وسرقت منشآتٌ، نكاية بشباب الثورة ومؤيديهم من أبناء الشعب المتظاهرين، اختلف المسلكان فاختلفت قيمة كل منهما في النفوس.
خرج شباب الثورة إلى الشارع يطالبون بحقوق الشعب في الحرية والديمقراطية والعيش الكريم، عزّلاً من أي سلاح لا أحزمة ناسفة لا متفجرات لا سكاكين ولا حتى عصا واحدة، لكنهم متسلحون بوعي: ثقافي، اجتماعي، سياسي عميق، مستعينين بقوة الأخلاق، فتنزهوا عن الفوضى والتخريب أو المساس بأي حرمة من حرمات الدم والعرض والمال، فلم يرفعوا شعارا شاتما أو مسيئا أو طائفيا، حتى أنهم، بعد أن سجن واستشهد وجرح منهم الآلاف، لم ينادوا إلى الانتقام أو الاقتصاص، فأدرك الضمير الجمعي، أنهم صدقوا ما عاهدوا أنفسهم ووطنهم، وأنهم وهبوا دماءهم ثمنا لانتزاع حرية الشعب وحقوقه، من أيدي مغتصبيها، فأحبهم الشعب وخرج عن بكرة أبيه يلتف من حولهم يحميهم، ويطالب معهم بسقوط الدكتاتور ونظامه، بهذا تمكن الشباب من تحويل ثورتهم إلى ثورة شعبية بيضاء بقيادتهم.
أما شيوخ النظام وأعوانهم فأنزلوا جميع قوات الأمن وأجهزة المخابرات إلى الشارع يقمعون الثورة الشعبية المسالمة، مستخدمين قوة السلاح، وسطوة البلطجية والمجرمين، ليس في قمع المتظاهرين فحسب بل وترويع المجتمع بأسره كي يكره الثورة وشبابها ويَقنَع بالظلم ثمنا لأمنه واستقراره، وبهذا انزلقوا إلى استباحة الحرمات دما وعرضا ومالا، مستعينين، بوسائل إعلام الدولة، للتغطية على انتهاكاتهم، والتعتيم على صحة مطالب الثوار وصدقية أخلاقهم، كل هذا في سبيل المحافظة على السلطة، وغنائمها غير المشروعة فأوغروا بالكراهية صدور المصريين والعرب والناس أجمعين، فتأجج لهيب الثورة’ضدهم، ولم يجدوا، في الأخير، بدا من الرحيل، حين لا ملجأ بعد الرحيل.
بعد هذا الاستعراض السريع، لما تابعناه من وقائع المشهد السياسي المصري، الذي استمر واحداً وعشرين يوما، يصح لنا القول: إن الشباب استطاعوا، بثورتهم، أن يجعلوا جغرافية الوطن مسرحا، لمعركة سياسية فعلية، بين الشعب والنظام، ثم تمكنوا بسلوكهم الحضاري أن يركزوا ضوءا ساطعا على البعد الأخلاقي للمشهد، لنرى أي الفريقين يتمتع بصدق القول وحضارية السلوك. وبذلك فضحوا واقع النظام العملي غير الإنساني المتخلف، غير الوطني الذي استمر هكذا منذ انفتاح السادات حتى اليوم، وأدرك الناس أنه سلوك يخالف كما يدعي حكامه، ويناقض كل النصوص النظرية التي قامت شرعية النظام عليها. إن هذا البعد الأخلاقي، ظل يتخفى تحت مظلة كبيرة من الكذب، فالديمقراطية فيه دكتاتورية والقانون بيد القوي على رأس الضعيف، والانتخابات زورٌ والجمهورية مملوكة’لحاكم يورثها لأبنائه أو يوصي بها لمن أراد، وولاء الحاكم للعدو، يلبس ثوب الوطنية بدعوى أن السلام هو من مصلحة مصر، وتحت هذه المظلة تشكلت المافيا الرسمية من الحاكم وأقاربه ومعاونيه، يستبيحون ما شاؤوا فشاع الفساد والسرقات وأهدرت موارد الوطن وتوقفت عجلة التنمية الزراعية والصناعية التي تبنتها ثورة يوليو، وبيع القطاع العام إلى رأسمالية طفيلية، استفاد أصحابها على حساب الشعب، ليظل أكثر سكانه’غارقين في الأمية يعيشون تحت خط الفقر، لا تتوفر لهم أدنى الخدمات الصحية والتعليمية.. الخ.
إن هذا البعد الأخلاقي للنظام السياسي في مصر الذي أظهرته ثورة الشباب على حقيقته هو أنموذج لما ساد داخل الأنظمة السياسية في الدولة الإقليمية العربية، ولا نحتاج إلى التذكير بما للبعد الأخلاقي من أثر على تراكم الكراهية في الصدور، فقد يغفر الضمير الجمعي لمن يختلف معه أيديولوجيا لكنه لا يغفر لمن’يدلس عليه ويسخر من فهمه وإدراكه، وأظن أن الوقت لم يفت فتستطيع الأنظمة السياسية في الدولة الإقليمية أن تقف موقفا جادا وتجري مجموعة من الإصلاحات السياسية وأن تجعل الديمقراطية وحرية القول والتبادل السلمي للسلطة والتنمية كل ذلك حقيقة واقعة، وإلا فإنها ستنتظر الآتي الذي يمكن أن يكون أشد وأعظم من هذه الثورة الشعبية التي قام بها شباب مصر، بعد أن سبقهم الشباب الثائر في تونس.
إنني وأنا أتأمل في البعد الأخلاقي للمشهد السياسي المصري والمشهد السياسي الثائر في تونس، تذكرت قصيدة أهديتها في بدايات التسعينيات لابنتي ذات الأربعة الأعوام منها الأبيات التالية:
يا ابنة الأفراح مدي لي يدا وامسحي حزنيَ حزني انفردا
ترك الــروح جريــحا أبدا ذابحا تحت الضلوع الكبدا
كلها الأحلام في طرفي غدا دمعها نارا وصبري نفدا
هاهم الأطفال من مد اليدا يطلب الخبز ومن مات صدا
الحبيبات ذبحن الأفؤدا الحبيب اليوم قمحٌ وردا
الكرامات إذا ما عربدا جشع الإنسان أضحت بددا
تطلع الحرة في سوق العدا تكسر الروح تبيع الجسدا
أيها الأعراب لم أسمع صدا لا أتت عيس ولا حاد حدا
أين منكم من أبى فاستشهدا عبر الموت وأحيى بلدا

شاعر وكاتب من اليمن

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s