ملاحظة

عن امريكا اللاتينية

عن امريكا اللاتينية
الياس خوري
في زمن مضي، كنا نقارن العالم العربي بأمريكا الجنوبية. كانت حركات مقاومة الديكتاتورية والهيمنة الامريكية، شبيهة بالحركات السياسية والنضالية في الوطن العربي. كنا نكتشف في القارة التي تمتزج فيها ذاكرة السكان الأصليين بذاكرة العبودية، صورتنا الأخري، الي درجة اننا نسينا مع لاهوت الفقراء ، حكايات المهاجرين الشوام الذين اطلق عليهم في تلك البلاد اسم التوركو. نسينا سعيد تقي الدين وحكاياته عن تجار الكشة، وشعراء العصبة الاندلسية الذين ساهموا في صناعة الوعي القومي، وانصرفنا الي التماهي مع اللندي مقتولا في التشيلي، ومع ثوار بوليفيا المتحلقين حول غيفارا، ومع كاميلليو توريس.
في زمن مضي، جاء الثوار الساندينيون الي معسكرات المقاومة الفلسطينية، وكان هناك ما يشبه الحلم المشترك، الذي جعلنا نشعر ان احلامنا تستطيع ان تكون بحجم العالم، وان لنا في امريكا الجنوبية امتداداً يجعل من احتمالات نهضتنا جزءا من نهضة كونية تعيد رسم خريطة العالم في المرحلة ما بعد الكولونيالية.
ثم جاء الادب الامريكي الجنوبي ليصنع لنا ما يشبه الحقائق، من نيرودا الذي كتب الحرية، الي الرواية التي فتحت افق الواقع علي الخيال. فجأة ولدت الف ليلة وليلة من جديد، علي ايدي بورخيس وماركيز وجمهرة كتاب القارة، الذين استعادوا العربي علي صورة بطل تراجيدي كما في رواية (قصة موت معلن)، حيث كانت ميتة بطل الرواية سانتياغو نصار، امتدادا للموت الكثير في جبل لبنان.
لكن منذ نهاية الحرب الباردة، حيث سقط جدار برلين في افغانستان، قبل ان يسقط في اوروبا، والمسافة بين العالم العربي وامريكا الجنوبية تزداد اتساعا.
نجحوا هناك في تكنيس الديكتاتورية، وكشفوا ان الحرية والديموقراطية ليست ادوات للهيمنة الامريكية، لأنها ليست شعارات كاذبة، بل هي طريق الانعتاق والتحرر. فصارت امريكا الجنوبية معقل مقاومة الهيمنة الامريكية، بالعقلانية والارادة والوعي. آخر اشارات التحرر جاءت من الباراغواي، حيث نجح الاسقف السابق فرناندو لوغو في تجاوز الطرد الذي انعم به عليه البابا اليميني بنديكتوس، ليقدم لشعب الباراغواي املا بالحرية، وأفقا للخلاص من هيمنة الفقر والديكتاتورية.
امريكا الجنوبية تحتفل بالحرية، بينما يغرق العالم العربي في الظلام، من خريف الثمانين الذي تتخبط فيه مصر مع حاكم لا يمل من السلطة، حتي وان كانت علي الاشلاء والفقر والمعاناة، الي خريف الابن الوحيد الذي نجح في وراثة ابيه في دمشق الشام، الي خريف السلطة الفلسطينية التي لا تزال تستجدي سلاما ليس في الأفق.
المشرق العربي دفع ثمن الكلامولوجيا الامريكية عن الديموقراطية عودة الي الزمن الكولونيالي والي التفكك كما في العراق، وتأبيدا لأنظمة مشايخ النفط وملوكه. وبقيت فلسطين تحت النار، لا شيء يشبه ما يجري هناك، لكن العالم اصم، والنظام العربي اصيب بالعته والعماء.
هناك في امريكا الجنوبية، نجح اليسار في تجديد نفسه من دون اوهام، وبني افقا لبلاد انهكتها الديكتاتوريات والدعم الامريكي لعهود الظلام، اما هنا اي في بلاد العرب، فان الخيار لا يزال بين ماضيين، الماضي الديكتاتوري الذي يترنح، والماضي الذي يبتلعه النفط والتخلف واللغة المعادية للنهضة، وفي الماضيين تجثم الكولونيالية علي المشهد بأسره، ويتعرض العالم العربي للتجربة الاكثر قسوة ووحشية منذ سقوط الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولي.
يبدو ان مشكلة العالم العربي تتجسد اليوم في شكل واضح في ازمة الاحتضار الطويل للنظام المصري. منذ كامب دايفيد المشؤوم ومصر ليست مصر، كأن وادي النيل دخل في استكانة طويلة، واسلم نفسه لنظام موميائي فقد كل عناصر شرعيته، لكنه باق كجثة تتحلل علي اكتاف المصريين.
لقد قدمت مصر نموذج الانقلاب العسكري الشعبوي الذي تحول كابوسا ديكتاتوريا بعد انطواء المرحلة الناصرية. وقاد الطغاة العرب الي الهزائم المتتالية، وصولا الي القعر العراقي، الذي وجه ضربة شبه قاتلة للنضال الوطني الفلسطيني.
اذا سقط النموذج في مكان ولادته، فان سقوطه في كل الأمكنة يصير ممكنا. من هنا فان ما يجري في القاهرة اليوم، ليس تململا شعبيا يمكن ضبطه، انه اللحظات الأخيرة من عمر نظام يحتضر، وآن له ان يمضي.
لكن يبدو اننا عشية لحظة تشبه لحظة 1952، حيث لم تكن قوي المجتمع المدني قادرة علي التقاط السلطة من ارض حريق القاهرة، فاستولي الجيش علي السلطة، بكل ما حمله ذلك من افق تأسيس نظام ديكتاتوري، سرعان ما تحول مع ورثة عبدالناصر الي كابوس قام بتحطيم افق تطور المجتمع المصري.
في امريكا الجنوبية انطوت الديكتاتورية كي يكون استئناف النضال من اجل الحرية والعدالة الاجتماعية ممكنا، وصار في امكاننا ان نستعيد العلاقة القديمة في اطار جديد، اذ ليس صحيحا ان تضامن الشعوب المقهورة قد انطوي مع نهاية الحرب الباردة، انه حاجة كبري علي العالم العربي تجديدها، لأنه يشكل اليوم مركز المواجهة، من اجل ان لا يندثر حلم الانسان بالعدالة.
الأفق الذي صنعه نضال الستينيات والسبعينيات يمكن ان يستعاد اليوم، يكفي ان ننظر صوب امريكا الجنوبية كي نري ان قضية العدالة والحرية لا تموت

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s