ملاحظة

الأخر في التاريخ الأسلامي

الأخر في التاريخ الأسلامي

عبد السلام مدني

◘ الحقيقة التي لامراء فيها ان الاسلام استطاع ان يكون الانموذج الراقي الاول في التعايش بين الاديان والعقائد والملل؛ ناهيك عن الشعوب والاقوام والقبائل تحت شعار (لتعارفوا). ولقد استمر المسلمون في التزامهم بوصايا القرآن الكريم وعلى تربية الرسول صلى الله عليه وسلم في التعامل مع الآخر بالحسنى ضمن وخارج المجتمع الاسلامي.
يقول ( ول ديورانت) في كتابه ( قصة الحضارة) شارحاً الوضع في العصر الاموي ( لقد كان أهل الذمة المسيحيون ،والزرادشتيون ، واليهود ، والصابئون يتمتعون في عهد الخلافة الأموية بدرجة من التسامح . لاتجد الها نظيرأ في البلاد المسيحية في هذه الأيام ، فلقد كانوا أحرارأ في ممارسة شعائر دينهم واحتفظوا بكنائسهم ومعابدهم ، ولم يفرض عليهم أكثر من ارتداء زي ذي لون خاص ، وأداء ضريبة عن كل شخص تختلف باختلاف دخله ، وتتراوح بين دينار وأربعة دنانير ، ولم تكن هذه الضريبة تفرض الا على غير المسلمين القادرين على حمل السلاح ؛ ويعفى منها الرهبان ،والنساء والذكور الذين هم دون البلوغ ،والارقاء ، والشيوخ ، والعجزة ؛ والعمى الشديد والفقر ، وكان الذميون يعفون في نظير ذلك من الخدمة العسكرية أو ان شئت فقل لا يقبلون فيها ، ولا تفرض عليهم الزكاة البالغ قدرها 2.67من الدخل السنوي وكان اهم على الحكومة أن تحميهم ، ولم تكن تقبل شهادتهم في المحاكم الاسلامية ، ولكنهم كانوا يتمتعون بحكم ذاتي يخضعون فيه لزعمائهم ، وقضاتهم وقوانينهم) ( 1) . ويقول ( فيليب حتي) في (تاريخ العرب المطول) ( تمتع اهل الذمة بقسط من الحرية لقاء تاديتهم الجزية والخراج. وارتبطت بالفعل قضاياهم في الامور المدنية والجنائية برؤسائهم الروحيين الا اذا كانت القضية تمس المسلمين) ويقول ( لقد كانت ميسون زوجة معاوية نصرانية، كما كان شاعره نصرانيا، وكذلك كان طبيبه وأمير المال في دولته..). وكانت لهم لغتهم وتقاليدهم الخاصة بهم ومع ذلك هم مندمجون في بناء المجتمع يعملون فيه ويرتقون في المناصب ( واقام الذميون في مزارعهم ومنازلهم الريفية وتمسكوا بتقاليدهم الثقافية وحافظوا على لغاتهم الاصلية فكانت لهم الآرامية والسريانية لغة في سوريا والعراق، والايرانية في فارس، والقبطية في مصر. وفي المدن تقلد النصارى واليهود مناصب هامة في دوائر المال والكتابة والمهن الحرة، وتمتعوا في ظل الخلافة بقسط وافر من الحرية ونالوا كثيرا من التساهل والعطف.). ( ثم اننا نعرف وزراء نصارى قاموا في الشطر الثاني من القرن التاسع منهم عبدون بن صاعد.. وكان للمتقي وزير نصراني كما كان لأحد بني بويه وزير آخر. اما المعتضد فقد جعل في المكتب الحربي لجيش المسلمين رئيسا نصرانيا. وقد نال امثال هؤلاء النصارى من اصحاب المناصب العالية ما ناله زملاؤهم المسلمون من الاكرام والتبجيل. وكانت اكثرية اطباء الخلفاء انفسهم من ابناء الكنيسة النسطورية) ( 2) . ويذكر الدكتور الخربوطلي في كتابه الاسلام واهل الذمة مجموعة نماذج من العصر العباسي حول التعامل بل والتداخل بين المسلمين والآخر ( اشتهر من بين اهل الذمة في العصر العباسي كثير من العظماء، مثل جرجيس بن بختيشوع طبيب الخليفة العباسي ابي جعفر المنصور، وقد وثق الخليفة فيه واكرمه. ومن هؤلاء جبرائيل بن بختيشوع طبيب هارون الرشيد، الذي قال الرشيد عنه: كل من كانت له حاجة إلي فليخاطب بها جبريل، لأني أفعل كل مايسألني فيه ويطلبه مني. وكان مرتب الطبيب عشرة آلاف درهم شهريا. ومن هؤلاء ايضا ماسويه الذي كان الرشيد يجري عليه الف درهم سنويا، ويصله كل سنة بعشرين الفا) ( 3) واشاد ترتون بتسامح المسلمين فقال: والكتاب المسلمون كريمون في تقدير فضائل هؤلاء ممن على غير ملتهم، حتى ليسمون حنين بن اسحاق برأس أطباء عصره، وهبة الله بن تلميذ بأبو قراط عصره وجالينوس دهره) ( 4) . كما تميزغير المسلمين في ميادين الادب والفنون ايضا واصطنعت الحكومة – كما يقول ترتون – مهندسين وعمالاً من غير المسلمين. والعلاقة كانت متداخلة الى درجة كان هناك طلبة من الذميين درسوا على يد مدرسين وفقهاء مسلمين. ومنهم حنين بن اسحاق الذي تتلمذ على يد الفراهيدي وسيبويه حتى اصبح حجة في العربية. وينقل لنا ابن ابي اصيبعة في كتابه طبقات الاطباء ان يحيى بن عدي بن حميد تتلمذ على يد الفارابي وكان افقه رجال عصره في المنطق. وان ثابت بن قرة درس على يد علي بن الوليد من رجال المعتزلة وكان حسن الخط متمكناً من الادب وتدل مؤلفاته وكتبه على عمق تفكيره وقوة معرفته ومالبث ان اعتنق الاسلام ( 5) . ليس هذا فحسب بل ان التواصل العلمي والثقافي بين الدولة الاسلامية والدول الاخرى على مستوى راق. وماعدا الجهود الفردية فان الحكومات الاوربية كانت ترسل بعثاث ذات طابع رسمي الى الاندلس الاسلامية لتلقي العلوم والفنون والصناعات في مدنها الكبرى. وكانت احدى هذه البعثات من فرنسا برئاسة الاميرة ( اليزابيث ) ابنة خال لويس السادس ملك فرنسا. وقبلت بعثات اخرى من سافوي وبافاريا والراين وسكسونيا وغيرها. وبعث فيليب ملك بافاريا الى الامير هشام الاول ابن عبد الرحمن الداخل بكتاب يطلب اليه الاذن له بارسال بعثة الى بلاده الاندلس للاطلاع على احوالها وانظمتها وشرائعها وثقافتها والاستفادة منها. ووافق الامير الاندلسي على هذا الطلب. وعندئذ ارسل الملك فيليب بعثة برئاسة وزيره الاول المدعو ( ويلمبين ) والذي اسماه العرب ( وليم الامين ). وكانت هذه البعثة تتالف من مائتين وخمسة عشر طالبا وطالبة. درسوا مختلف العلوم في الاندلس. وقد اعتنق ثمانية افراد من هذه البعثة الدين الاسلامي ومكثوا في الاندلس. ومن هؤلاء ثلاث فتيات تزوجن بمشاهير من رجال الاندلس في ذلك الوقت، وانجبن عددا من العباقرة، وكان منهم عباس بن فرناس الفلكي. واوفد الملك جورج ملك ويلز بعثة برئاسة ابنة اخيه الاميرة ( دوبان ) كانت تضم ثماني عشرة فتاة من الاشراف والاعيان. وقد توجهت البعثة الى اشبيلية. ورافقهن في سفرهن ( سفيلك )رئيس موظفي القصر في ويلز، الذي حمل هدية و رسالة من الملك جورج الى الخليفة هشام الثالث. وقد استقبلت البعثة في الاندلس احسن استقبال ورد الخليفة هشام على رسالة ملك ويلز برسالة يعلمه فيها تحيبه وترحيب الاندلس باعضاء البعثة، وموافقة رجال الدولة على الانفاق على هذه البعثة من بيت مال المسلمين ورد على هديته بهدية اخرى مناسبة. فاذا نحن امام تواصل ولغة دبلوماسية راقية وعلاقات دولية على احسن ماتكون. ولم يتوقف الامر على ذلك إذ فضلا عن البعثات الكثيرة التي بعثت بها أوربا الى الاندلس، عمد بعض ملوك اوربا وامرائها الى استقدام علماء من المسلمين لتأسيس المدارس ؛ ونشر الوية العلم والعمران. ففي خلال القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي وما بعده استقدمت حكومات انكلترا وهولندا وسكسونيا وغيرها نحو تسعين من الاساتذة الاندلسيين المتخصصين في مختلف العلوم، والذين كانوا يحسنون اللغتين اللاتينية والاسبانية الى جانب العربية. كما وقعّت تلك الحكومات عقوداً أخرى مع نحو مائتي خبير في مختلف الصناعات، لاسيما إنشاء السفن، والنسيج والزجاج والبناء وفنون الزراعة. ولقد أقام بعض المهندسين جسراً على على نهر التايمز في بريطانيا يسمى بجسر هليشم( Helichem ). وهذه الكلة تحريف لأسم هشام خليفة الاندلس. ومازالت في مدينة شتوتغارت بالمانيا حتى اليوم سقاية ماء تدعى أميديو ( Amedeo ) وهو تحريف لأسم المهندس الذي صنع السقاية ( 6) .
والاعجب من كل ذلك أن ( الآخر) كان يساهم في القتال مع المسلمين حتى ضد من هم من أهل دينه. كما حدث في الحروب الصليبية وعلى عهد صلاح الدين الايوبي الذي كان جيشه يضم الكثير من المسيحيين. وليس آخرهم ذلك المهندس النصراني من المجر الذي صنع المدفع السلطاني الضخم لـ( محمد الفاتح) فدكّ به أسوار القسطنطينية حتى فتحت.
فنحن هنا اما مجتمع تعددي واحد يعيش فيه الجميع بأمن وأمان تجمعهم روح المواطنة وشعور السفينة المشتركة. والكل (مسلمين وغير مسلمين) كانوا مساهمين في بناء الصرح الحضاري الجديد تحت مظلة المرجعية الاسلامية وروح الشريعة التي رسمت الملاح وحددت الحقوق والواجبات. وكان ذلك من أهم ما ماز الحضاة الاسلامية انها حضارة الحرية والتعدد فلم تضق بمذهب إسلامي أو غير إسلامي. ولايزال العراق وهو أخصب أرض ازدهرت فيها الحضارة يمثل فسيفساء من الاعراق والمذاهب الاسلامية والديانات حتى الاحيائية منها مثل اليزيدية. ( 7) وبقي هذا المجتمع متماسكاً حتى في فترات الحروب الصليبية – مع وجود حالات من الخيانة والتآمر- الاّ ان تلك الفترة لم تشهد ابدا فتنة دينية او طائفية او مذهبية او حالات من التصفية – من أي نوع- بسبب الإنتماء الديني او غيره. وكل هذه مؤشرات واضحة على انه لم تكن هناك ثمة نار تحت الرماد تنتظر نفخة لتتأجّج.
ولكن كل هذا لايمنع ان نقول انه كانت هناك فترات سادت الاجواء فيها تشنجات وصراعات ودماء مرة بسبب المسلمين ومرة بسبب الآخرين. ولكن المهم ان ذلك دائماً كان الاستثناء ولم يكن الاصل ولم تكن التربية والتوجيهات الربانية؛ وإنما السياسة وصراعاتها واحيانا المصالح وتداعياتها واحيانا الظلم والانحراف عن النهج القويم سواء من المسلمين او من غيرهم.
النصوص المقدسة أمرت، والرسول صلى الله عليه وسلم طبّق، والمسلمون من بعده ساروا على النهج القويم، فكان المجتمع السعيد الذي تنادت للعيش فيه ولمثله كل البشرية. ولكن يبقى السؤال الذي وعدنا بالاجابة عنه ولم تسعفنا الصفحات لكثرة الامثلة – وما ذكرنا الا النزر اليسير جداً – ماهو مفهوم الولاء والبراء اذاً اذا كانت هذه هي العلاقة بين المسلمين وغيرهم داخل وخارج المجتمع الاسلامي؟! ومن الذي اساء الفهم وخلط وغلط؟! هذا ماسنحاول الاجابة عنه في العدد القادم بإذن الله..
عبد السلام مدني
almedeni@yahoo.com
المراجع والحواشي
(1) ج13 ص 131 نقلاً عن ” غير المسلمين في المجتمع الاسلامي: للدكتور القرضاوي – مؤسسة الرسالة – ط الخامسة – ص51
(2) م1 ص 301 – 302 نقلاً عن مقالة للدكتور عماد الدين خليل في مجلة “الحوار” العدد 14الصادرة عن الاتحاد الاسلامي الكوردستاني ص24 – 25
(3) ص145- 147 نقلاً عن ” غير المسلمين في المجتمع الاسلامي: للدكتور القرضاوي – مؤسسة الرسالة – ط الخامسة- ص52
(4) المصدر السابق
(5) ” غير المسلمين في المجتمع الاسلامي: للدكتور القرضاوي – مؤسسة الرسالة – ط الخامسة- ص53
(6) ندوة فكرية لبيت الحكمة حول” أثر الحضارة العربية الاسلامية في الفكر الغربي”-من منشورات بيت الحكمة- سلسلة المائدة الحرة- بغداد 1997- ص78-81
(7) من مقالة للشيخ راشد الغنوشي – نشرت في جريدة الشرق الاوسط اللندنية السبت 24 مايو 2003

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s