ملاحظة

المرأة الايطالية تحلم بالعودة إلى المنزل

المرأة الايطالية تحلم بالعودة إلى المنزل

أرضية الغرف والمطبخ والحمامات براقة من فرط نظافتها. ثلاجة مملوءة بكل ما لذ وطاب من الطعام. مطبخ يعبق بروائح الأطعمة اللذيذة وقالب من الحلوى الشهية، ملابس الزوجة الأنيقة مغسولة ومجففة ومكوية وموضوعة في خزانة الملابس في غرفة النوم وعدة أطفال يملأون البيت بهجة وسرورا.. هذا هو ما تحلم به النساء الإيطاليات ممن هن في الثلاثينيات من العمر، أي حياة تشبه إلى حد كبير صورة الحياة الزوجية التي يتم الترويج لها في الخمسينيات من خلال الإعلانات. لا يتعلق الأمر بكل الإيطاليات، بل بأغلبهن. تعتبر صورة المرأة التي تفضل البقاء في المنزل والاهتمام بتنشئة أبنائها والسهر على راحة زوجها على طرف النقيض مع الجيل الجديد من النساء الحديثات اللائي يفضلن العمل والترقي المهني ويؤجلن الزواج والإنجاب قدر الإمكان، إذ انهن يعتبرن أن الزواج يمثل العقبة كما أن الزوج قد يصبح عبئا عليهن. لقد بدأت إرهاصات هذا التغيير تظهر منذ عدة سنوات حتى أصبحت هذه العقلية واضحة وجلية في إيطاليا، بل في عدة دول غربية. لقد أظهرت دراسة أجرتها شركة بروكتر وجامبل الأمريكية سنة 2008 أن هناك عودة قوية للعائلة التقليدية المحافظة. فالمرأة ما بين الخامسة والعشرين والثلاثين “تكف عن غيها وتعود إلى رشدها”، حيث انها تحلم بحياة زوجية هادئة وعائلة سعيدة كما أنها تحلم بقضاء أغلب وقتها في المنزل، بدل مكتب العمل.أما في إيطاليا فقد نشرت يوم 17 يناير 2011 نتائج دراسة أجريت بطلب من مجلة “إيل” Elle وقد أظهرت وجود النزعة نفسها عند المرأة الإيطالية التي ملت حياة العزوبية والعمل وباتت تحلم بالعودة إلى المنزل والاستمتاع بالحياة الزوجية الهادئة.ماذا تقول الإيطاليات؟
أظهرت الأرقام الإحصائية أن 47% من الايطاليات في سن الثلاثين يعتبرن أن الحياة الزوجية هي أكثر ما يسعدهن، فيما تعتبر 31% منهن أن الأبناء أكثر ما يسعدهن لأنهم يشعرونهن بالأمومة.
خلال جيل من الزمن، تحولت الأنوثة من نموذج “الجنس والمدينة” Sex and the City إلى نموذج “الرجال المجانين” Mad Men (مسلسل أمريكي تدور أحداثه في مدينة نيويورك في بداية الستينيات من القرن الماضي). لقد انعكس هذا التحول حتى على مستوى الموضة التي تناسب ذوق المرأة التقليدية، فيما تفضل المرأة العصرية التنورة القصيرة والحذاء ذا الكعب العالي.
جورجيا بومبيلي في الثامنة والثلاثين من عمرها وهي تنحدر من مدينة “برجامي” الإيطالية. تزوجت جورجيا وهي في سن الحادية والعشرين بعد أن درست القانون في الجامعة سنة واحدة ثم عملت فترة قصيرة في أحد البنوك. تقول جورجيا: “لقد انقطعت عن العمل مباشرة بعد الزواج. لقد حصلت على ليسانس الآداب فقط من أجل ثقافتي الشخصية لأنني كنت أعلم أنني لن أثبت طويلا في أي وظيفة لأنني أفضل الحياة الزوجية. زوجي يعمل مديرا للبنك وقد أعجبته الفكرة. أنا لا أشعر بأنوثتي أو أحس بنفسي أينع إلا وسط عائلتي”.
جورجيا اليوم أم لخمسة أطفال وهي أنيقة الملبس كما أن أفكارها واضحة تماما حول طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة وهي تقول: “الرجل والمرأة عالمان مختلفان. فحتى يلتقيا يجب عليهما أن يعتمدا على بعض سلوكيات جداتنا حتى تكون الأسرة متماسكة”.
جيادا فيليبي في الثالثة والثلاثين وقد كانت تحلم دائما بأن تكون زوجة وأما. رغم أنها تحمل شهادة جامعية فإنها لم تحاول أبدا أن تعمل وهي تقول: “لست نادمة على أي شيء. في نهاية المطاف، ما الذي سيبقى للمرأة سوى زوجها وأبنائها، أي أسرتها؟ ليس المال هو ما يجعل الأسرة سعيدة. إن ما يجعلني سعيدة هو أن أشاهد طفلي الصغير يبتسم لي كل يوم ابتسامة البراءة ويقبلني وأحتضنه. هذه هي منتهى السعادة بالنسبة إلي”.
الاعتناء بالزوج، رعاية الأطفال وتربيتهم، الاستمتاع بالطبخ، التقاء الصديقات، بناء حياة اجتماعية نشطة.. هذا هو طموح المرأة الإيطالية. ألم أقل لكم اننا ربما بصدد العودة إلى ذهنية المرأة في خمسينيات القرن الماضي؟
تقول دادندا سانتيني، مديرة مجلة “إيل”:
“ان الأمر يتعلق بنموذج إيطالي صرف. إن خيالنا ينزع بطبيعته نحو التقليد. في إيطاليا، يراد من المرأة أكثر من اي بلد آخر أن تكون كاملة الأوصاف. لقد تغير سلوك الرجل اليوم وقد أصبح يتعاون أكثر مع المرأة. هناك فكرة جديدة بدأت تنشأ عن العائلة وهي من شأنها أن تثري العلاقات الزوجية وتجعلها تينع وتنتعش. رغم ذلك لا أحد أو لا شيء يضمن أن الحب سيعمر طويلا. ففي إيطاليا، كما في بقية بلدان العالم الأخرى، هناك الكثير من حالات الطلاق. إن أكثر العلاقات الزوجية حبا وسعادة تكون معرضة للمخاطر، وخاصة بالنسبة إلى المرأة”.
هناك قاسم مشترك يجمع ما بين هؤلاء الأمهات الجديدات اللائي فضلن البيت على العمل. لقد درسنا في الجامعات وتخرجنا بعد أن حصلنا على أعلى الشهادات. في إيطاليا تمثل الطالبات الأغلبية في الجامعة، وقد بلغت نسبتهن 60% سنة 2010، غير أن 22% منهن يقررن لاحقا الدخول إلى سوق العمل.
ترتبط أمثال هؤلاء النسوة، اللاتي فضلن الحياة الزوجية على العمل وهم فخورات بذلك، بشبكة واسعة تتمثل في موقع “ربة بيت مثالية في بيت مثالي”، الذي تم تدشينه في سنة 2006 بمبادرة من ربة منزل تدعى جورجيا جيورجي وهو يضم الآن أكثر من 20 ألف عضو مسجلة.
تتبادل الزوجات الأعضاء أسرار الحياة الزوجية والطبخ وبقية شؤون المنزل الأخرى، بما في ذلك غسل الملابس. تتعلم هؤلاء الزوجات معا رياضة الدراجات وتمارين اللياقة البدنية كما أنهن يضع الخطط لأسرهن معا، كل ذلك عبر شبكة التواصل الاجتماعي، بل يتعلمن حتى كيفية إعداد الحلوى والمربى بمختلف أنواعهما والتطريز والخياطة والديكورات المنزلية. أما اللائي يشاركن في هذا الموقع فهن زوجات تتراوح أعمارهن ما بين الثلاثين والأربعين سنة.
تقول عالمة الاجتماع ماريسا فيرارا، التي تدرس في جامعة “لاسابيينزا” في روما: “ان سوق العمل ليست ايجابية في الوقت الراهن وهو ما يلحق الضرر بالشابات والمتزوجات على حد سواء. أنا أستطيع أن أتفهم السبب الذي يجعل الموظفات ينقطعن عن العمل ويتفرغن للمنزل. غير أنني لا أفهم السبب الذي يجعل زوجات يتخلين عن وظائفهن الرفيعة التي يتقاضين عنها رواتب مهمة”.
احتلت إيطاليا المرتبة الثانية والسبعين عالميا في سنة 2009 في الترتيب العالمي لمؤشر المساواة بين الرجل والمرأة ثم تقهقرت إلى المرتبة الرابعة والسبعين من بين 128 دولة سنة .2010
أظهرت الدراسات الأكاديمية أن معدل نشاط المرأة يتناقص كثيرا مع مقدم الطفل الأول، كما اظهرت الدراسة التي أجرتها “إيل” أن ثلث النسوة يخترن البقاء في المنزل من أجل رعاية الأطفال والسهر على تنشئتهم فيما اعتبرت 22% منهن أنهن اتخذن هذا لأسباب اقتصادية. أظهرت الدراسة أن 15% من المتزوجات اللائي شملهن استطلاع الرأي يستطعن تحمل تكاليف حضانة الأطفال.
تقول بيانكا بيكالي: أستاذة علم اجتماع العمل ومديرة مركز دراسات المرأة بجامعة ميلان الإيطالية:
“إن السياق السياسي والثقافي في إيطاليا يسهم في إبراز صفة الأنوثة المرتبطة بأمومة المرأة. يمكن أن يعزز هذا الأمر قناعات المرأة التي لا يكون لها أي طموحات مهنية. من جهة أخرى، تظهر مختلف الدراسات أنه يوجد لدى المرأة سلوك مختلف تماما. هناك المرأة المستعدة للتخلي عن فكرة إنجاب أطفال والحياة الزوجية المستقرة حتى لا تفسد طموحاتها المهنية. لكن هناك في مجتمعنا أمثلة كثيرة ناجحة استطاعت من خلالها المرأة أن توفق ما بين حياتها كزوجة وأم وعملها وطموحاتها المهنية”.
كورييه إنترناشيونال

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s