ملاحظة

وطأة الظّروف الماديّة تعوق المُثقّفين والمُبدعين العرب

يواجهون المرض والشّيخوخة والوفاة دون ضمانات اجْتِمَاعيّة ومادِيّة كافية
وطأة الظّروف الماديّة تعوق المُثقّفين والمُبدعين العرب

كتبَت: زينب ع.م البحراني

بحُزنٍ واهتمامٍ كبير كُنتُ أتابع حكاية الفنّان “عبد العزيز مكيوي”، الذي قاده الفقر المتشبّث بعزّة النّفس والكبرياء إلى افتراش الرّصيف بعد تجاوزه السّبعين من عُمره، والاضطرار لترك زوجته المريضة بين أهلها كي تجد من يتكفّل برعايتها وعلاجها منهم لعجزه عن ذلك، رغم كونه – بشهادة من عرفوه من فنّانين وصحفيين – مُبدع مُثقّف، يتحدّث اللغة الإنجليزيّة والفرنسيّة والرّوسيّة بطلاقة، ويحمل شهادتين جامعيّتين؛ إحداهُما في ترجمة الأدب، والثّانية في السّياسة! والضّربة المُفاجئة؛ كان هو من أدّى دور شخصيّة “علي طه” في فلم “القاهرة 30″ عن رائعة عبقري الرّواية العربيّة ” نجيب محفوظ” قبل أكثر من ثلاثين سنة!! .. وقبلها كٌنتُ أتابع بكُلّ دهشتي لقاءًا تلفزيونيًا أجرته المُذيعة “منى الشّاذلي” مع الأديب الرّوائي المُبدع، والمُثقّف الأصيل “جمال الغيطاني” حين ذكر في معرض حديثه أنّه يُقيم في شقّة مُتواضعة في الطابق الخامس من بناية لا مصعد كهربائيّ فيها رُغم ظروفه الصحيّة التي لا تجعل من صعود تلك الطوابق كلّها في الذهاب والإياب أمرًا سهلاً، ولولا الصّدفة الأدبيّة التي انعطفت نحو حديثه عن مدى طيبة الأديب السوداني الرّاحل “الطيّب صالح” الذي كان يتصبّب عرقًا أثناء صعوده تلك الطّوابق الخمسة كي يعود الغيطاني أيّام مرضه لأبت عليه كرامته الإشارة لمثل ذاك الحديث، لئلا تُستشفّ منه صورةً عن ظروفه الماديّة .

حِكايات المُبدعين العرب

لم تكُن هذه أو تلك الحكاية الأولى من بين حكايات المُبدعين العرب في مُختلف مجالات الفنّ والأدب -والكلّ هُنا في همّ الإبداع سواء- إذ كان ومازال آلاف المُبدعين، من شُعراء وقصاصين وروائيين وممثلين وفنّانين تشكيليين في وطننا العربيّ من مُحيطه إلى خليجه يرزحون تحت وطأة ظروف ماديّة قاصِمَة لِظهرِ الإبداع غالبُا، وقاصِمَة للصحّة والحياة أحيانًا. فالمُثقّف المُبدع، الذي يجدُر بالدّولة والمُجتمع إلى جانب مؤسسات المُجتمع المَدنيّة تقدير قيمته ككنز من كنوز الأمّة القادرة على زيادة وعيها، ومن ثمّ رفع مُعدّل تنميتها البشريّة، يُعاني – في الغالب- مُعاناةً كبيرة في توفير أبسط احتياجاته المعيشيّة كالمَسْكَن والمَلبس والغِذاء والدّواء، فضلاً عن تنفّس الإبداع والثقافة كاقتناء الكُتب، أو حضور الفعاليات الثقافيّة سواءًا كانت مدفوعة الأجر، أو كان الوصُول إليها يتطلّب وسِيلة مواصلات مَدفوعة الأجْر. أو يُضطر للعَمَل في مهنة لا تُلائم ميوله ومواهبه، تأكل شطرًا هائلاً من كرامته وراحته وتفترس أعْصَابه، وتستولي على أكثر وقته المخصص للإبداع وتثقيف الذّات في مُعظم الأحوال، ليحفظ ماء وجهه. ورُغم إصرار بعض الأصوات على تكميم صوت تلك القضيّة الخطِرة على مُستقبل الثّقافة في وطننا العربي كلّه ومُكافحتها عمدًا بحُجّة أنّ المُبدع يجدُر به عدم التحدّث فيما يُسمّونه “ترفّعًا” عن سفاسف الأمور الماديّة، لا يسعنا إنكار حقيقة أنّ المُبدع مهما كان مُخلصًا لإبداعه، يبقى إنسانًا ومخلوقًا بشريًا من روحٍ ولحمٍ ودمٍ ومقدرة محدودة على التحمّل مهما طال أمدها، وكُلّما حاول بعض المُنتفعين دفن تلك القضيّة؛ كُلّما تفاقم عدد ضحاياها إمّا عن طريق الوفاة مرضًا وجوعًا وهمًا، أو عن طريق هجر الإبداع لصالح تدبير لقمة عيشٍ تُشبع أطفاله، أو قطرة دواءٍ تُقيم أود ما تبقّى من حياته. هُنا يصرُخ الواقع أن “لابُدّ من حل”، وفي مُحاولةٍ لسبر أغوار المشكلة ومن ثمّ إيجاد العلاج القادر على استئصالها، اقتربنا من بعض المُبدعين العرب لنسمع آراءهُم.

واقعٌ المُثقّف لا يَسُر ولا يُبشّر

“واقع المُثقف والثقافة لايسرّ ولا يبشرُ فى عالمِنا العَرَبى” بهذا استهلّ الكاتب المِصْري الدّكتور نادر عبد الخالق حديثه قبل أن يُكمل: ” البُعد الإنساني الاجتماعي الذي يُغلّف هذا السؤال يقودنا لاكتشاف أمور أخرى كثيرة جدًا تكمُن خلفه، أعتقد أن إثارتها قد يزيد الأمر وضوحًا، بدايةً لا بدّ من إلقاء الضّوء على حالة البُعد الفِكْرى والثقافى والتنموى فى مُجتمعنا العربى، وبعدها يجدر بنا الحديث عن حال المثقف ومدى قدرته على التعبير فى ظل هذه الأجواء الموجّهة، وهُناك أسئلة كثيرة نحتاج الإجابة عليها جميعا فى صراحة وفى تخلى عن شىء من شرقيّتنا، منها وأهمها لماذا أنشئت الاتحادات الأهليّة، وكيف تدار، وكيف تسير فيها عملية الإنفاق؟، وما موقف المُثقف الحقيقى منها وما دَوْره؟، وما صِلة ذلك بالثقافة؟، وكيف تصان المواهب؟، وكيف يُعبّر المُبدِع فى حُريّة تجعله شخصًا مُستقلا لايُدارى ولايُحابي؟؟ وأسئلة أخرى تثيرها الوقائع والتجارب الثقافيّة. وهى أسئلة غالبا لا أجد لها إجابة عند المثقفين الذين تضج بهم السّاحات، وربّما كان لها إجابة عند غيرهم لكنهم لايُجيبون عنها ويكتفون بإشارات وإيماءات لاتعليل لها ولاتعليق عليها”.

ويُكمل:” في واقع الأمر إن هذا الموضوع له وجوه كثيرة سياسية واقتصادية واجتماعية، منها ما يعود على المثقفين أنفسهم واختلاف المفهوم الثقافى لديهم، ومنها ما يعود على تردّي الواقع الثقافي في المُتخيّل العربى واقترانه دائما بالأشياء التى تضيع الوقت ولاتجدى فى ظل سيطرة رأس المال وفى ظل هيمنة المذاهب المادية الإلحاديّة على كثير من العقول العربية فى أوقات كثيرة، خاصّة فى مُنتصف ونهاية القرن الماضى مع وجود بيئات صالحة لانتشار ذلك منها الفقر والأميّة والجهل المعرفي الموروثي عند الأجيال الجديدة. إن العمل الثقافي يحتاج إلى جهود كبيرة تدعمه ويحتاج أن يتحوّل إلى واقع استثماري فى العقول والمواهب الإبداعيّة دون أن تستغل أو توجه ودون أن يرتبط هذا بثقافة أكل العيش أو تحقيق المكاسب أوالشهرة وما يترتب على ذلك من إسفاف أو تراجع عن المشروع الثقافي الإبداعي الفكري، كل هذه الأمور قد تجعل المواهِب تندثر أو تختفى تحت وطأة التهميش أو التجاهُل واللامُبالاة” .

وحين سؤاله عن الحل الأمثل للخروج من هذه الدائرة الضيقة التى انحصر فيها الإبداع والمُبدِعُ وانعكس أثرها على الثقافة كان ردّه: ” الإجابة لن تقوم على الأفكار المثالية أو الأحْلام والأمنيات بقدر ما تحتاج إلى تضافر الجُهود المُجتمعية المدنيّة، الرّسمية والأهلية، ومُحاولة خلق جيل جديد لايعتمد على الثقافة كمصدر من مصادر الدخل، وإنما تكون الكلمة لديه رسالة والتعبير رؤية يتخطى به حاجز النفس الإنسانية المادية، وتصبح الاحتياجات الخاصة بمنأى عن دوافع الإبداع ولن يكون ذلك إلا بالنهوض بداية بالتعليم مقرونا بالمبادىء، لابالحشو والتكرار وبلوغ المناصب والمقاعد كأفق يسعى له الجميع، عندئذ سيكون للمثقف أهميته ودوره وستصبح كلمته ذات هدف ومغزى، ولن يوجه فكره أو يُدار بواسطة أخرين، وأعتقد أن ذلك سينعكس أثره اجتماعيًا وماديًا وأخلاقيًا على الحياة العامّة للمُثقف وعلى الثقافة وأهميتها في بناء المجتمعات وتطور المفاهيم العامّة والخاصّة. وفي النهاية فإن من المُهم الارتقاء بالمَواهِب وبمُسْتوى مَعيشة المَواهب، كما تفعل بعض الدّول في منح التفرغ بمعنى تفرغ المُبدِع للإبداع، وهذه لا ترشحها الدّولة فقط بل المؤسسات الأهلية الثقافية بحيث لا نصنع آلهة من جديد بتلك الأقلام، ولانصنع حزبًا ثقافيا فِكْريا يستولي على مقاليد الثقافة ويُصبح من ليس معه عدوّا يجب القضاء عليه” .

أمّة تُعاني الجهل والأميّة

القاص والرّوائي المصري أحمد طوسون أكّد على حقيقة تفشّي تلك الظّاهرة بقوله: “في أمّة تعاني الجهل والأمية والتخلف والتعصّب للأفكار البالية وتغيب فيها حريات الرّأي والتعبير وينسحِقُ فيها الفرد وتغيب فيها الديمُقراطية، من الطبيعي أن تصبح فيها قدم لاعب الكرة أغلى قيمة من عقول أدبائها ومُثقفيها وعُلمائها. وأن يعيش أدباؤها ومثقفوها مهمومين بتوفير احتياجاتهم المادّية التي تكفل حدًا أدنى من الحياة.. ولعلنا نتابع كل فترة استغاثة هنا وأخرى هناك بحثا عن علاج أديب أو مثقف لم تكفل له كتاباته ما يجعله قادرًا على أبسط حقوقه كالحق في العلاج. أما الصّورة بالنسبة لشباب الكُتاب فتبدو أكثر قتامة.. فمقاهي وسط القاهرة تحتشد بعشرات الأدباء الشباب الذين بلا عمل أو دخل”. وعند سؤاله عن تصوّره للحلول المُمكنة أجاب طوسون: “الحلول للمشكلة تبدو صعبة في ظل عدم وجود حماية حقيقية للمؤلفين في مواجهة دور النشر الخاصة للحصول على مقابل مناسب لطباعة كتبهم، وبخاصة للأسماء غير التجارية.. أيضا في ظل المقابل الزهيد الذي يحصل عليه المؤلف كمكافأة مقابل نشر كتبه بمؤسسات النشر الحكومي”.

و كشف طوسون أنّ” المثقف في بلادنا يحتاج إلى مؤسسات كُبرى متخصصة في التسويق والرعاية والإعلان- نفتقد وجودها- تقف خلف الكتاب، كما يحتاج إلى تفعيل دور منظمات المجتمع المدني في دعم الثقافة والمثقفين وإيمانها بهذا الدور وأهميته في تفعيل دور الثقافة بالمجتمعات العربية لإحداث نهضة ثقافية وعلمية أشد ما تحتاجها بلادنا. كما يجب أن يأخذ المؤلف نسبة ما على تداول كتبه وقراءتها بالمكتبات العامة، ونسبة ملزمة للمؤلف تدفعها مكتبات وزارة التربية والتعليم حين تتعاقد على شراء الكتب من الناشرين. وهنا تبرز أهمية كيانات خاصة كاتحاد الكتاب في الوقوف وراء مثل هذه المطالب وتفعيلها.. كما يبرز دور اتحاد الكتاب في توفير الرّعايَة الصّحيّة المُناسبة لأعضائه وأن تمتد لأكبر قطاع ممكن من المثقفين، والوقوف معه ضد جَور الناشرين وتفعيل حقوق الملكية الفكرية وأهمية أن يدعم رجال الأعمال الكيانات الخاصة التي تهتم برعاية الأدباء والفنانين”.

ويستدرك:”لكن كل هذه الاقتراحات لا تؤدي إلى حلول حقيقية للمشكلة.. الحل الحقيقي يتمثل في سياسات تعظم من دور الثقافة والعلم في المُجتمعات، وعدم تهميشهما لصالح الأنماط الاستهلاكية والدّعائية، وتعيد للمثقف مكانته التي يستحقها”

أزمات اقتصاديّة مُستفحِلة

ومن مصر إلى البحرين؛ حيث أفصح القاص والرّوائي البحريني أحمد المؤذن عن رؤيته لواقع تلك القضيّة بقوله: “الواقع المعيش اليوم يطرح جملة من التحدّيات أمام المُجتمعات وكون الكاتب فرد من نسيج المُجتمع الإنساني ( العربي تحديدًا ) فهو ابن بيئته ويتأثر بكلّ ما يمر على هذا المُجتمع من مشاكل وتأزّمات .. فالمواطن العربي تغلِب عليه صفة مَحْدودِيّة الدّخل وتطحن جيبه أزمات اقتصادية مُستفحلة، لا تستثنيه إن كان كاتبًا أو شاعرًا يشغر مقاعد الصف الأول في الساحة !

ففي أغلب الأحْوال، الكاتب مُرتبط بدوّامَة الرّوتين ضِمْنَ جريدة يومية أو في مجلة هنا أو هُناك، أو حتى مجال آخر بعيد عن كواليس الكتابة و الحِبر، يتقاضى معاشا شهريًا هزيلا لا يكاد يفي بمتطلباته الحياتيّة والأسرية. لكن أرق الكتابة يستمر في الإلحاح ولا بد من مخرج لتنفيس هذه الطاقة، حيث أن قدر الكاتب أن يستمر في رفد ساحته الثقافيّة، النتيجة أن الكاتب في سعيه من أجل طباعة مشروعة الأدبي يلجأ للمراكز الثقافية من أجل الحُصُول على رعاية لمشروعه وغالبًا ما يُصاب بالإحباط وتصل جهوده لِطريق مَسدود، فيُحمّل نفسه عناء التمويل الذاتي ويبادِر بالتوفير من رَاتِبه الشهري أو لنقل بمعنى أدق .. الرّجل يسلخ من جلده كيْما يظهر مشروعَهُ الكِتابي للنور، فالناشر لا يقدم نفسه كدار خيرية تقدم خدماتها الثقافية لوجه الله ! ”

وأضاف المؤذن مُسلطًا الضّوء على المزيد من الحقائق بقوله: “نعم يكثر الحديث والضّجيجُ الإعلامي عن دُور نشر تدّعي دَعْم مَسِيرة الثقافة العَرَبية وتشجيع حركة التأليف لكن الواقع أن هناك فرق شاسع مابين الشعار وإشكالية مأزقنا الحضاري الرّاهن ، فنحن أمة لا تقرأ وأي ورقة مطبوعة في كتاب أو مجلة تتحول لشيء هامشي عند الرصيف تلعب بها الريح أو تصبح كأيّ وَرَقة عاديّة تلف بها شطائر الفلافل في العواصِم العربية! هنا تتعمق مشاكل الكاتب أكثر .. فالكتاب لا يُعتبر سِلعة ثقافيّة قابلة للتداول بالنسْبة للسّواد الأعْظم من الجَمَاهير العربية .. من المُمكن أن يكون ديكورا مُكملاً لأناقة البيت أو حتى وَجَاهَه شكلانية تصلُح لتكون تباهيًا فارغا في واجهة صالون البيت تعطي الزوار انطباعًا خادِعًا عن صاحِبِه أنه إنسان مثقف بإمتلاكه لمكتبة”

وعن الحلول الكفيلة بالتّغيير فيرى المؤذّن أنّ: ” الجهات المعنيّة بالثقافة – وزارت الثقافة ، الأندية والجمعيات الثقافية – يقع عليها عِبْء وضع الخطط المُمَنهجة لإنصاف الكاتب ومُسَاعدته في طِباعة و ترويج منجزه الأدبي حتى لا يُتاجر أحد بتعبه أو يَسْلب منه حقوقه باسم دعم الثقافة ! أيضا .. من المهم أن تكون هناك تجمعات ثقافية من داخل المجتمع العربي ، مهمّتها التشجيع على القراءة وترويج الكتاب من أجل تغيير الصورة النمطية السائدة في أن القراءة مجرد ترف فكري ، هذه المبادرة ولا شك سوف تسهم في خلق حراك ثقافي يدفع بالكاتب إلى المزيد من الإنجاز. كذلك بالإمكان إنشاء مراكز ثقافية تخلد عطاءات المبدعين الكبار، تقوم بدعم نشاط التأليف ومُساندة الكاتب العربي وتقديم التسهيلات اللازمة إليه كجزء من تحريك السّاحة الثقافية العربية ومدها بأكسجين الأفكار و الرؤى الحضارية التي تسهم في رقيّنا. كما أنه يقع على الدولة القيام بدور أكبر من خِلال إنشاء مَحَافِظ استثمارية يُخصص ريعها لدعم المثقف في إبداعه و حراكه المجتمعي و العناية به في مَرَضِهِ ، هكذا نكون قد أنصفنا المثقف و منحناه المكانة التي يستحقها ليقوم بدوره كسفير حضاري يَسْمو برِسَالته ويُمثل بلده و أمّته، فليسَ وحْدهُ الرّياضي من يحتكرُ هذا الدّور!!”

حلمٌ بحَصَادِ الثّمر

بينما أفصحت الكاتبة العراقيّة صبيحة شًبّر عن رأيها قائلة: “في بلداننا العربية يتزايد حِرمان المواطن وتتضخم مُعاناته، لا حلول مُنصفة لما يرجو ويتمنى، يظل يحلم بتحسن الحال، فإذا الأيّام تمضي وحالته تسوء، ويشعر بمرارة شديدة، و يكون الشعور بخيبة الآمال عند المُبدع اشد من غيره، بسبب شعوره المُرهف و لأنّ إبداعه يُكلّفه الكثير من المَال والجُهد والوقت، ويظهر له المنافسون بكثرة، يضعون في طريقه العقبات، لا يتورّعون عن سلب الوقت وعدم إتاحته للمُبدع، كي يُطوّر نفسه ويصقل أدواته الفنية. الوظيفة ومتاعبها ورغبات كثيرة للنفس والغير بتوفير المسكن المناسب والغذاء الصّحي واللباس الأنيق المُحْترم، والعناية بالصّحة وإيجاد ساعات للترفيه والرّاحة من عناء العَمَل، والتخلص من التوتر الذي يفرضه الفشل في الوصول إلى الغايات، كل هذه الأمور تحد من انطلاقة المُبدع. لهذا يهجُر المُبدعون مضطرين إبداعهم بحكم العمل البعيد عن اهتمام العامل وكفاءته ورغبته، فتصْبح الحياة قاسية لأن المرء لم يستطع فيها التعبير عن نفسه المكلومة”

وأوضحت صبيحة قائلة: “تتعدد أسباب التخلف في العالم العربي وأوّل هذه الأسباب ضياع حقوق المواطن وشعوره أنه عاجز عن تحقيق أحلام بسيطة يصل اليها الإنسان في العالم المتمدين بسهولة، ومن حقنا أن نتساءل عن مسؤولية وضعنا المزري هذا؟ لماذا نجد الأُمم تفخر بمُبدعيها، ونحن يكثر بيننا السّارقون والسّالبون جهود المُكافحين من أجل حياة أفضل، ولماذا نجد سَارقي الفكر وتعب القلب والعاطفة بدون عقاب؟ ولمَ تفتح أبواب النجاح للمدّعين وتغلق أمام الموهوبين الصادقين، ولماذا يفقد الموهوب عندنا القدرة على المواصلة، ويُرغم على الصّمت؟ ولماذا يظل المُبدعون محرومين من رفاه العيش، لا يملكون من أمور حياتهم إلا النزر اليسير، فيُضطر أكثرهم إلى تحمّل أوجاع الاستدانة، أو الصّبر على المرض، لأن الضنك الذي يئنون مِنه لا يُفارق حيواتهم، ولمصلحة من يستمر هذا الوضع المأساوي، الذي لا يمكن أن نحلم أنه سوف يوصلنا إلى طريق النجاح؟ ألا يحق لنا أن نأمل أن تأخذ الدولة بيد المبدعين فتقوم بطبع أعمالهم وتوزيعها ومنحهم المكافآت التي تتلاءم مع جهودهم، وأن يتمتع المُبدع بالتفرغ كي يقوم بإجادة الإبداع وتطويره؟

وتُنهي حديثها بالتساؤل: “كيف يُمكن أن تتحقق أحلامنا وكل شيء بعيد المنال، لا سكن صحي ولا قدرة على السّفر والتجول في أرض الله الواسعة، يمضي العمر شقاءً وتعبًا وحرمان من أبسط الحُقوق، ونحن نحلم باستمرار أن أيّام العمر الآفلة سوف تزهر، وأن ما غرسناه بسواعدنا نحصِد مِنه أحْلى الثمر”

دور المؤسسات الثقافيّة

في حين يجد السّيناريست والمُخرج العراقي سعدي صالح البريفكاني أنّ للمؤسسات الثقافيّة والإعلاميّة دورًا لا يُستهان به في نمو تلك المُشكلة، وعن هذا قال: ” إن اللوم أولاً يقع على المؤسسات الثقافية والإعلامية، وثم على المُجتمعات التي لا تولي لهؤلاء المُبدعين والمثقفين أي تقدير .. إن ظهور وتفشي هذه الحالة في مجتمعاتنا امتداد طبيعي وتلقائي لعدم تقدير أو احترام دور المُعلم .. فكما أن التعليم والمعلم لم يعد لهما تقدير واحترام من قبل الأجيال التي يعلمها ويدرسها ويُربيها فإن المجتمع أيضا استلهم هذه النّظرة وأصبح لا يولي أي أهمية أو احترام للمثقفين والمُبدعين الذين هم مُعلّمو المُجْتمعات والشعوب”.. أمّا الحل فيرى سعدي أنّه:” إن لم تبادر الدّولة إلى إعادة هؤلاء إلى موضعهم المنطقي وتقديرهم المفترض فلن تكون هناك حُلول قريبة أو جادّة .. فإن كان القائمون على الدّولة يريدون أن يُخططوا لمستقبل مُشرق لِمُجْتمعاتهم فلا بد أن يُخططوا لذلك بالمشاركة مع أصحاب الرّؤية من المُبدِعين والمثقفين المَنسيين منذ عقود على مقاعد المقاهي أو ضِمن أُطُر وظائف ومِهن أُجبروا على العمل فيها من أجل العيش .. في حين تُمنح امتيازاتهم لآخرين لا يفقهون من هذا العالم شيئا غير بعض المصطلحات والكثير من الدّهاء والمؤامرات للبقاء أطول وقت ممكن تحت أضواء برّاقة لم تخلق لهم .. لأن الأمل في أن يُدرك المُجتمع هذه الأهمية من تلقاء نفسه أملٌ ضعيفٌ جدًا إن لم يكُن معدومًا نهائيا”

مأساة المُبدع العربي

أصاب الكاتب المصري ورئيس مؤسسة الكلمة نغم للنشر محمد محفوظ كبد المأساة حين أكّد: “لا يشعر بمأساة المُبدع العربي الحقيقي في الوقت الرّاهن إلا هو ومن على شاكلته..” قبل أن يُكمِل: “حيث أنّه موضوع بين حجري الرّحى، فالحجر العلوي يتمثّل في البناء الفوقي للمُجتمع، والمتمثّل في قوانين الدّولة، والثّقافة السائدة والموروثة، والبناء التّحتي المتمثّل في الشّعوب التّابعة وما هو مسموح به لها. فالحجر الأوّل، أو البناء الفوقي، لم يُنظّم قوانين للمُبدع الحقيقي تضمن له حياة كريمة، أو تجعله يقتات كما يقتات المُتوسّطون في الدّخل. حتّى قوانين المُلكيّة الفكريّة؛ موضوعة في أدراج التّعليق دون أدنى تطبيق، دون أن يُلتفت إلى أنّهم أمان لاستمرار بقاء الأمّة في الاتّجاه الصّحيح، لأنّهُم مُراقبو وموجّهو حركة سير المُجتمع. أمّا طبقة الشّعوب فإنّها تنظر إليهم باعتبارهم أهل استهلاك لا إنتاج، وأهل ترفيه وتسلية لا رِسَالة ومُعاناة. ويظلّ المُبدِع الحقيقي بين الحَجَرَيْن في العصْرِ الحالي. وأنا أقصد بالمُبدع الحقيقي من هُم بعيدًا عن مُهرّجي أرباب المناصب، أو بائعي المُتعة على أنّها إبداع. تلك النّظرة للمُبدع الحقيقي هي ما تجعله لا يستطيع التكيّف مع المُجتمع، فأميّة التّلقي، وجور الرّقيب، جعلا المُبدع كثيرًا ما يجلس على الرّصيف، مُفكّرًا في ثمن الرّغيف، تاركًا ساحة الإبداع للمُترفين أو المُزيّفين، وكلاهُما يُقدّمان الجهل مُعتّقًا، والكذب مُنمّقًا، فجاءت النّتيجة زيادة الأميّة، وانكسار جميع طبقات الشّعب العربي، حيث أنّ المُبدع هو الوحيد المُستخدم للحِسّ والفؤاد والعقل، وَهُوَ الْمُبَرِزُ لِصِحَّةِ الْقَضَايَا، وَزَيْفِها.. وَهُوَ الْمُفْلسِفَ لِلأُمُور، وَالْحَالِمُ بِالْمُسْتَقْبَلِ”.

مُنحدرٌ يُفضي إلى المجهول

استهلّ الكاتب والشاعر الفلسطيني المقيم في الأردن محمد خالد النبالي حديثه قائلاً: “الثقافة والمثقفين في أيامنا هذه ومن عشر سنين أو أكثر قليلاً يتجهون الي منحدر سحيق يكاد يُفضي بهم إلى المجهول..” ثمّ استطرد موضّحًا: “كثير من المثقّفين والمُبدعين الأصلاء أصبحوا لا يكتبون إلا نادرًا، وإن كتبوا فلا تتجاوز كتاباتهم صفحات العالم الرّقمي بسبب ظروف الحياة القاسية، والتي أصبح على الإنسان أن يعمل لأجلها بجد حتى يستطيع إعالة نفسه وأسرته، وهكذا أصبح الأديب لا يجد الوقت الكافي للكتابة بسبب عمله البعيد عن موهبته، و انشغال أفكاره بحياته الشخصية وخاصة المادية، فأصبح مُضطرًا لاستهلاك وقته في أي عمل لكي يستطيع العيش وتدبّر أمر مُتطلبات الأسرة.. وكيف لهذا الأديب أن يكتب ويبدع وهو غير مستقر في حياته العَمَلية والأسرية؟ وهنا نرى أن الثقافة تتجه إلى مُنحدر سحيق بسرعة هائلة وبذالك خسِرَت الشعوب العربية المَعْرِفة والتعلم وفي كل يوم تخسر أكثر وكل ذالك من جرّاء فقدان الأدباء والمُبدعين الممتازين في مُختلف مجالات الإبْداع ”

وبحُكم علاقته الشخصيّة مع أدباء وكتّاب وصحفيين جالس مُعظمهم عن قُرب ودخل بيوت معظمهم بحكم الصّداقة؛ اختار أن يحكي لنا بعض ما شاهده من ظروفهم قائلاً: “أعرف شاعرًا عروضيًا وقاصًا فائق الثّقافة، يعمل مُدرّسًا براتبٍ لا يُقدّم لأفراد أسرته الثّمانية غير الخبز والضّروريّات، وأمام إعجابي الشّديد بنصوصه الأدبيّة سألته مرّةً عن الذي يمنعه عن إعلان أشعاره وجمعها في كتاب؟ فأجابني: “ليس معي ثمن طباعة ديوان شعري. وإذا طبعته من سيقرأ؟ وماذا سوف أجني منه؟” .. كما أعرف رجُلاً آخر يتمتّع بثقافةٍ شديدة غزيرة يعمل خيّاط ملابس لانعدام المال والاستقرار. و ثالث يكتب أشعار مُحترمة لا يكاد يملك مصروف بيته اليوميّ في أحيان كثيرة لأنّ راتبه التّقاعُدي -كموظف سابق في الدّولة- أقلّ من الحد المعقول أمام صعوبة الظّروف الاقتصاديّة، ورابع كاتب وأديب ومُتخصص في شأن اللغة العربيّة يعمل في مجال التّدريس صباحًا، ثمّ يعمل بعده في “سوبر ماركت” كي يتمكّن من تسيير شؤون حياته بسلام!.. كما وجدتُ كُتّابًا يُضطرّون لبيع أقلامهم وأخلاقهم من أجل المال لشدّة حاجتهم إليه.. والقصّة الواقعيّة الأكثر إيلامًا من بين جميع ما شاهدت كانت قصّة شاعرٍ أعرفه جيّدًا؛ كان يطبع ديوانه بواسطة حاسوبه الخاص، ثمّ يضم أوراقه بين قطعتي كرتون كي تصير غلافًا للكتاب، ليدور بعدها بكتابه على المحلات التجاريّة ومخازن البيع كي يبيع لهم كتابه، أو بالأصح؛ على أمل أن يقبل أحدهم بالتصدّق عليه!” وأفصح عن مدى اهتمامه بإيجاد حلٍ جذري لتلك المشكلة قائلاً: “أرى أننا يجب أن نجد حلول حقيقيّة ونبحث عن بارقة أمل فعليّة حتى لا تنهار أمّتنا لضياع الثقافة في بلداننا العربية بسبب تلك المُشكلة التي صارت قضيّةً واقعة وتحصيل حاصل، بل علينا الا نفكر في المشكلة بقدر ما نفكر في الحلول، وعليه أطالب كُل مُبدع ومُثقّف في وطننا العربي بوضع تصوّره، و أن يصرخ لأجْل ذلك عَاليًا وألا يبقى صامتا” .

أمّا الحلول – من وُجهة نظره- فهي بيد أكثر من جهةٍ فاعلة: “على كُلّ دولةٍ عربيّة دعم الثقافة و المُبدعين والاهتمام بهم، كما يقع على النّقابات المهنيّة والمؤسسات والشّركات التّجاريّة دورٌ كبيرُ في التضافُر لتقديم الدّعم الماديّ المعقول. كما يجب تفعيل دور “رابطة الكُتّاب” في كُلّ دولة عربيّة بالتعاون مع “اتّحاد الكُتّاب العرب” للعمل على تحقيق ضمان اجتماعي للمُبدع بما يكفل له ولأسرته الطمأنينة – على أقلّ تقدير- في حالات الشيخوخة أو المرض أو الوفاة لا سمح الله”.

الرّابط الأصلي:
http://www.alwatannews.net/pdf/2011/3/3_13_2011_iss1919_pg13_20113132330.pdf

تجمّع أصدقاء الكاتبة على موقع فيس بوك:
http://www.facebook.com/group.php?gid=8886926613

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s