ملاحظة

أمريكا وأسرار مغارة أمن الدولة/ شريف عبد العزيز

أمريكا وأسرار مغارة أمن الدولة
السبت 12 مارس 2011

شريف عبد العزيز

كان مشهدا خياليا أقرب إلي الأسطورة، صدم كل التوقعات، وحطم كل النظريات، وبعثر المعلوماتي عشرات الفرضيات، جعل العالم بأسره من المحيط إلي الخليج واقفا علي أطراف أقدامه، حابسا أنفاسه، مشدوها شاخصا بصره، ذلك المشهد بكل فخر واختصار ؛ هو مشهد الثورة المصرية الرائعة التي أسقطت في أقل من ثلاثة أسابيع واحدا من أعتي عروش الطغيان والاستبداد في التاريخ المعاصر، وذلك بصورة سلمية تكاد تكون خالية من المشاهد المروعة والمأساوية التي رآها بعد ذلك في ليبيا، وإن كان العالم قد شعر بالامتنان والإعجاب بما جري على أرض مصر، فإن وقع ما جرى كان مختلفا بصورة كبيرة علي صانع القرار الأمريكي الذي كانت صدمته برحيل مبارك أشد مما نتخيل .
أمريكا ورحيل مبارك
ـ أمريكا وربيتها إسرائيل كانت مضطرة للتخلي عن أهم حلفائها وأخلص عملائها وأشد أصدقائها في العالم العربي والإسلامي تحت وقع وهدير الملايين الذين خرجوا للإطاحة بهذا الطاغوت المتكلس علي عرشه منذ ثلاثين سنة إلا قليلا، أمريكا تظاهرت بمساندة الثورة، وتأييد الشباب، وخرج أوباما يتغزل في الشباب المصري، وهو يكظم غيظه، ليس حبا في الشباب ولا نصرة لثورة المظلومين والمقهورين، بل لأن أمريكا وغيرها من دول الغرب جبروا علي ذلك جبرا، وعكس ما يظن البعض أنها كانت تستطيع أن تجهض الثورة وتتمسك بمبارك، فهذا وهم من لا يعرف آلية السياسات الأمريكية في عهد الحزب الديمقراطي الذي ينتمي إليه أوباما، كما هو وهم من لا يعرف طبيعة تعامل أمريكا مع عملائها بعد انتهاء صلاحيتهم وفقدانهم لقبضتهم الحديدة، فأوباما مثله مثل باقي زعماء العالم فوجئ بما جرى علي أرض مصر،بمثل هذه السرعة وعلي هذه الصورة التي كانت خارج الحسابات والتقديرات الأمريكية والإسرائيلية .
ـ أشد ما كانت تتخوف منه أمريكا وإسرائيل رحيل مبارك بهذه الصورة المهينة، فهي قد وضعت العديد من التصورات والسيناريوهات البديلة لغياب مبارك المفاجئ، بالموت أو التنحي للظروف الصحية أو الاعتزال أو حتى بالانقلاب العسكري، ولكنها لم تكن تتصور يوما أن الشعب هو الذي سيتولى الإطاحة بهذا الطاغوت في ظل استبداد وقمع وديكتاتورية مرعبة وجهاز أمنى رهيب يحكم قبضته علي مفاصل الحياة العامة في مصر ويمارس إرهاب دولة متكامل بحق شعبه، لذلك ظل الأمريكان والصهاينة في حالة استرخاء تام من ناحية هذا السيناريو تحديدا ولكن أسوأ كوابيسهم قد تحققت وخرج المارد من قمقمه، وفي 18 يوما تم الإطاحة بالصديق المقرب والعميل المفضل في المنطقة .
رحيل مبارك بهذه الصورة يختلف تماما عن رحيله بأي صورة أخرى، فهو ليس رحيل شخص مبارك فحسب، فالأمر أكبر منذ ذلك بكثير، رحيل مبارك بهذه الصورة مخلوعا مطرودا يعني رحيل نظامه الفاسد الديكتاتوري، رحيل مؤسساته وهيئاته القائمة علي التزوير والرشوة والمحسوبية ، رحيل سياساته الداخلية الاستبدادية القائمة علي قهر الشعب المصري ومصادرة أبسط حقوقه وإذلاله وطمس هويته ومحاربة دينه ومعتقده،رحيل زمرة المفسدين من رجال الأعمال الذي مصوا قوت الشعب ونهبوا خيرات البلاد بصورة جعلت مصر تعوم علي بحر متلاطم من أمواج الفساد، ورحيل سياساته الخارجية التي أدت لتقزيم دور مصر الإقليمي والدولي والتي اختصرت دور أعظم دول المنطقة وأكبر دولة إسلامية وعربية، لدور بواب أمن وخفير درك للكيان الصهيوني الغاصب لأرض فلسطين المباركة، تلك السياسات التي جعلت دولة بحجم وريادة مصر تواجه بتهديدات وإهانات من دول صغيرة وضعيفة عدد سكانها مجتمعة لا يبلغ نصف عدد سكان مصر، مثل دور حوض نهر النيل التي وقعت اتفاقية لتقاسم مياه النيل أدخلت مصر فعليا نادي العطش الدولي والفقر المائي، رحيل مبارك بهذه الصورة يعني رحيل عهد الخنوع والذلة والانكسار والانحناء أمام أمريكا وإسرائيل، والاستجابة المهينة للإملاءات الأمريكية التي لا تنتهي، والتبعية المطلقة والعمياء للسياسات والتوجهات الأمريكية، نهاية لعلاقة السيد بخادمه الذليل، أيضا رحيل مبارك بهذه الصورة هو رحيل لعصر الاضطهاد الديني والعداء الذي بلغ حد الهوس لكل من يتحدث عن الإسلام وينادي بتطبيقه، وأخيرا رحيل مبارك هو رحيل لأسوأ إفرازات الديكتاتورية والاستبداد، الكابوس الجاثم علي صدور المصريين منذ عشرات السنين ؛ وهو جهاز أمن الدولة المرعب.
سقوط المغارة وانفتاح الأسرار
مهما كتبنا في تقريظ هؤلاء الأبطال الذين رابطوا في ميدان التحرير،فلن نوفيهم حقهم أبدا، فهؤلاء الأبطال بصمودهم في الميدان لمرحلة ما بعد الإطاحة بمبارك هو الذي حفظ الثورة المباركة من الثورة المضادة ومن مؤامرات أمن الدولة وفلول النظام البائد، ولو رضي الثوار وقنعوا برحيل مبارك وحده وانسحبوا من الميدان، لعاد نظام الطاغية في أيام معدودات ولسالت بأنهار الدم الشوارع والمدن المصرية، وإصرارهم علي تنحية شفيق ومحاسبة المتورطين في قتل المتظاهرين وفتح السجون من مجرمي حبيب العادلي، هو الذي أنجح الثورة وأبقاها حتى الآن.
استقال شفيق وسقط آخر فلول النظام البائد، ولم تمر سوي ساعات قليلة حتى بدأت عملية اقتحام مباني أمن الدولة بصورة كشفت مدي غباء وحماقة المدافعين عن حكومة شفيق الذي بدا للعيان دوره الخبيث في الدفاع عن نظام مبارك وتنسيقه مع رجال حبيب العادلي، والغطاء الأمني والقانوني الذي كان يوفره لتحركات شياطين أمن الدولة الساعين لعودة النظام البائد، وقد كان مشهد الاقتحام فريدا عجيبا ذا دلالات كثيرة، غامضا في مجمله ويشبه لحد كبير غموض انسحاب الشرطة من الشارع في 29 يناير، وفتح السجون في 30 يناير، فرغم تأكد الكثيرين من أن الانسحاب وتوابعه كان جزء من خطة أمنية طارئة لمواجهة الثورة وشغل الشعب بالدفاع عن نفسه، إلا أن الأمر ما زال يحمل قدرا وافرا من الغموض و سر ذلك كله كان في مغارة أمن الدولة وخزائن حبيب العادلي ورجاله .
134 طن بالتمام والكمال، هو مجموع الوثائق التي تم إعدامها داخل مقرات أمن الدولة، وتمثل ثروة معلوماتية في غاية الخطورة عن الشأن المصري بأكمله وبشتى تفاصيله ودقائقه، فأمن الدولة كان متداخلا في كل أمور البلاد، داسا أنفه في كل شيء وأي شيء، بتوجيه مباشر من مبارك وزوجته وطفله المدلل، والذي قد لا يعرفه الكثيرون أن عملية التخلص من الأوراق والوثائق الهامة بدأت منذ 30 يناير عقب اقتحام أول مبني لأمن الدولة في مصر، وهو أمن الدولة بمدينة دمنهور في شمال مصر، وهو الاقتحام الذي كشف عن مستندات ووثائق غاية في الأهمية، كما كشف عن سلخات بشرية وحقائق مروعة عن التعذيب ومقابر جماعية وغرف تعذيب وسجون سرية، مما جعل كل الشائعات والأخبار المتداولة عن فظائع أمن الدولة حقيقة مشاهدة أمام الجميع، لذلك صدرت الأوامر من يومها بالتخلص تدريجيا عن وثائق وأسرار أمن الدولة .
أمريكا وإسرائيل وأمن الدولة
الأمر اللافت للانتباه في مشاهد اقتحام أمن الدولة، أن أوباما قد أصدر أوامره الفورية لوزير دفاعه ” جيتس ” بالتوجه في التو واللحظة إلي مصر للتباحث بشأن ما جري لمقرات أمن الدولة، ولم يمض علي وصوله سوي دقائق حتى صدرت الأوامر العسكرية بتسليم كافة الوثائق المتعلقة بأمن الدولة الموجودة بحوزة المواطنين، ومنع تداولها في وسائل الإعلام، والتشديد علي ذلك المنع، بدعوي حماية الأمن القومي، فلماذا هذه السرعة الأمريكية في التعامل مع حادث اقتحام مقار أمن الدولة وفتح مغاراتها المليئة بالأسرار .
لاشك أن الإجابة علي هذا التساؤل تمكن في المستندات والوثائق التي تم فرمها أو حرقها والتي لابد من أن يكون لها نسخ أخرى محفوظة إلكترونيا، ولمن لا يعلم أقول ؛ أن الشركة المسئولة عن تأمين وحماية النظام المعلوماتي في مصر هي شركة أمريكية يهودية اسمها شركة ” سيف نت ” مقرها الرئيسي في واشنطن ومقرها الإقليمي في تل أبيب، وقد تعاقدت معها الحكومة المصرية الفاسدة أيام أحمد نظيف علي تأمين قاعدة المعلومات المصرية !!، وبالتالي فكافة معلومات النظام المصري بكل فروعه الاقتصادية والأمنية والاجتماعية والثقافية لدي واشنطن وإسرائيل، فأمريكا ليست في حاجة لأن تعرف ما طبيعة المعلومات الموجودة داخل هذه المقرات، لأنها تعلمها سلفا هي وإسرائيل، ولكن أمريكا في حاجة لطمس آثار هذه المعلومات، وإخفاءها عن الوجود تماما حتى لا تري أمريكا ويكليكس عربي ومصري جديد أخطر بكثير من ويكليكس أسانح، فالتسريبات هذه المرة تسريبات أمنية خطيرة تفضح أمريكا فضيحة مدوية، أمام شعبها المخدوع في حكومته ونزاهتها وأمام العالم الذي يري في أمريكا زعيمة الدفاع عن الحريات والديمقراطيات في العالم الحديث .
أمريكا حاولت أن تتماسك إزاء ما جري وتتظاهر أن لا علاقة لها بتسريبات أمن الدولة في مصر وذلك علي لسان” جيك والاس” نائب مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية لشئون الشرق الأدنى، خلال مؤتمر صحفي عقد بالسفارة الأمريكية بالقاهرة أن يكون هناك تخوفات لدى الإدارة الأمريكية الحالية من التسريبات الخاصة بأمن الدولة مؤخرا، مؤكدا على أن العلاقات بين الولايات المتحدة ومصر تعود إلى عقود وأنه لا يوجد مخاوف من تأثير تلك التسريبات على تلك العلاقات فالبلدين سيواصلان العمل معا في مجال دعم الديمقراطية في مصر، معربا عن ثقته في قوة تلك العلاقات التي تربط البلدين .
أن أكثر ما تخاف منه الإدارة الأمريكية من تسريبات أمن الدولة في مصر أن يخرج للنور أخبار التنسيق عالي المستوي بين هذه الأجهزة الأمنية ليس في مصر وحدها ولكن في المنطقة بأسرها، ودور هذه الأجهزة في التعاون مع أمريكا وإسرائيل والروابط والخدمات التي كانت تؤديها هذه الأجهزة للعدو الأمريكي والصهيوني، خاصة في مجالي تتبع الحركات الجهادية وقمع الحركات الإسلامية، وكيف أن هذه الأجهزة كانت تحمل أجندة أمنية خاصة تصب في مجملها في خدمة الأعداء وليس في مصلحة الوطن في شيء .
أما أخطر ما في موضوع العلاقة بين أمريكا وإسرائيل وأجهزة أمن الدولة، هو دور أمن الدولة في تعذيب المعتقلين الذين تجلبهم أمريكا من كل أنحاء العالم إلي مصر وغيرها ليتم تعذيبهم وانتزاع الاعترافات منهم، فقد كشفت إحدى الصحف الألمانية في تقرير لها نشر في منتصف العام الماضي، عن انتشار السجون السرية الأمريكية في 66 دولة على الأقل، ومنها مصر والأردن وسوريا والمغرب وباكستان وجيبوتي وإثيوبيا وتايلاند ورومانيا، وقد استند هذا التحقيق لتقرير صادر عن منظمة حقوق الإنسان الدولية “هيومن رايتس ووتش” في أحد فصوله عن السجون السرية في مصر وكيف تعاونت مصر مع الاستخبارات الأمريكية في اعتقال وتعذيب واستجواب بعض الأشخاص الذين اعتقلتهم الولايات المتحدة في إطار سياسات مكافحة الإرهاب التي انتهجتها عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، والعجيب في التقرير أن المعتقلين كان يتم تهديدهم إذا لم يستجيبوا مع المحققين الأمريكان، يهددون بالترحيل إلي مصر حيث أساتذة التعذيب وخبراء التنكيل، فكان المعتقل يقر علي نفسه بجرائم لم يرتكبها خشية من أن يتم ترحيله إلي زبانية أمن الدولة في مصر، التي كانت واحدة من أشهر محطات التعذيب في المنطقة وفي العالم بأسره، وسوف تكشف الأيام المقبلة عن كثير من الأسرار والأخبار التي ستصدم ليس أمريكا وإسرائيل فحسب ولكن العالم بأسره، فمازالت الأسرار كثيرة في مغارة أمن الدولة .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s