ملاحظة

رياح الأمل في موسم الثورات العربية: بطاقة تعريف جديدة للوطن


دعاء قنديل
2011-03-17

كَم ذا يُكابِدُ عاشِقٌ وَيُلاقي في حُبِّ مِصرَ كَثيرَة العُشّاقِ إِنّي لأحمِلُ في هَواكِ صَبابَةً يا مِصرُ قَد خَرَجَت عَن الأَطواقِ لَهفي عَلَيكِ مَتى أَراك طَليقَةً يَحمي كَريمَ حِماكِ شَعبٌ راق.
كلمات خطها شاعر النيل حافظ إبراهيم قبل أحداث ثورتنا المجيدة ثورة 25 كانون الثاني ( يناير) بأكثر من ثمانين عاماً عبّر بها عن مكنون عشقه لتراب هذه البلد الذي ورثناه جميعا دونما إرادة ولم نستشعر قوته قط إلا حينما وقفنا بكل شجاعة ورقي وقفة رجل واحد نصرخ بحبها في وجه الطغاة والمتجبرين ولاعقي أحذية النظام الفاسد . ثورتنا نتجت عن مخاض المناخ السياسي والاجتماعي والاقتصادي الفاسد في مصر طوال ثلاثة عقود من حياة هذا الشعب.
في خضم القراءات السخية التي حظيت بها الثورة المصرية المجيدة من قبل مثقفي السلطة والمثقفين المستقلين نبتت من باطن ميدان التحرير وكل شوارع مصر التي جابتها الثورة، قراءات أخرى عبّر خلالها الشباب الحر الذين كانوا قد وصفوا من قبل كثير من الفئات الثقافية والسياسية وغيرها قبل 25 كانون الثاني ( يناير) بالسلبية واللامبالاة وبأنهم مغيبون عن واقعهم السياسي و مهمشون داخل واقعهم الاجتماعي، ولكن اثبت الشباب المصري أنه على وعي تام بمعطيات تلك الحقبة المنصرمة من تاريخ وطنه وبكل ما دار على الصعيدين الاجتماعي والسياسي داخل مصر وخارجها في هذه الفترة، وبأن بينه وبين حظيرة النظام قطيعة، هذا النظام الذي ظل ( يدجن داخلها فئة ليست قليلة من المثقفين) في عهد مبارك ووزير ثقافته فاروق حسني، ( قطيعة منذ المولد) حتى يضللوا هؤلاء الشباب بأفكار مسمومة ولكن خاب مبتغاهم، ولقد ساعد كثيرا ما يملكه هؤلاء الشباب من ملكات أفكارهم وطاقاتهم الخلاقة التي كانت كامنة حيث ظهرت في وقتها لإعادة الحياة والنبض إلى شعب مصر وكامل الوطن العربي ولتحطيم جدار الخوف الذي مكث هؤلاء الطغاة في بنائه أكثر من ثلاثين عاما، يصنعون لبناته من قانون الطوارئ وحجب الحريات وتكميم أفوه الصحافة الحرة وغيرها من الجرائم التي مورست في حق الشعب الذي استطاع من خلال ثورته أن يجري جراحة عاجلة لينظف جروح هذا الوطن من الجراثيم والطفيليات التي علقت به ويطهرها لتلتئم ويتعافى.
ولقد لفتت ثورتنا هذه أنظار العالم اجمع لرقي شعب مصر وتحضره فقد قال عنا الرئيس الأمريكي ‘أننا شعب ملهم’ كما قال رئيس وزراء ايطاليا ‘لم أجد شيئا غريبا حدث في مصر فهذه طبيعة المصريين فهم بناة حضارة’…

إنها إرادة الشعب

الإرادة كما يصفها خبراء علم النفس ‘هي طاقة أو قوة كبيرة تخرج في وقت معين متى توفرت بشدة لسبب أو لآخر وتحقق الانجاز المطلوب الذي قد يذهل منه الجميع’.
ولقد مرت علينا العديد من السنوات العجاف في ظل نظام دكتاتوري كمم فيها أفواه الشرفاء كانت جديرة بخلق إرادة قوية لتفجير بركان من الغضب حرك المياه الراكدة وجعلها تسير في شلالات متدفقة خلخلت كل الثوابت الراسخة وباتت تنال من كل رؤوس الفساد.
كما يشير الطب النفسي الى أن الإرادة القوية تعني التصدي لكل عوامل اليأس والإحباط وفى الغالب تكون نتيجة لحرمان أو مشقة يبثّها الاتجاه المضاد في القلوب، وهو ما لا يقدر عليه إلا الكبار كشعبنا العظيم كما يمكن تعريفها على أنها تلك النقطة الصغيرة التي تمكث في العقل الباطن وتحرك المرء باتجاه ما يريد وتعطيه الدافع والحافز للوصول إلى مراده وتحقيق أهدافه، ولقد أثبتت الثورة الشعبية المصرية أن إرادة الشعوب لا تعلوها إرادة إلا إرادة الله سبحانه وتعالى، وان القوة والجبروت مهما عظمت ستتحطم أمام إرادة الشعوب، التي ذاقت مرارة العيش والويل من إهدار الكرامة وانعدام الحريات والفقر المدقع وقد أصاب الشاعر حين قال:
إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر
وفي خضم التظاهرات المليونية الحاشدة التي شهدتها الأراضي المصرية ظهر التأثير المباشر لثورة 25 كانون الثاني ( يناير) على الفن التشكيلي منذ اللحظات الأولى لاندلاع الثورة، فكان للفن التشكيلي دور تفاعلي مساند لها وذلك لان الفنان التشكيلي لا يعيش مطلقا في عزلة عن العالم كما يعتقد البعض، فحضوره كان واضحا ومؤثرا في انتفاضة الشعب المصري، سواء أفي ميادين القاهرة أم في باقي محافظات الجمهورية. رسامون ومصورون ونحاتون وخطاطون، جميع الفنون التشكيلية كانت حاضرة وبقوة في قلب ‘الميدان’، الذي أصبح رمزا للثورة فالفن التشكيلي سلاح لا يعرف التخاذل ولا الاستكانة وللكاتب ‘أرنيست فيشر’ مقولة بهذا الخصوص ( يجب أن يسلم الفنان بأنه لا يعمل في فراغ، وأنه في آخر الأمر ملتزم بالمجتمع فليست وظيفة الفنان أن يدخل الأبواب المفتوحة بل أن يفتح الأبواب المغلقة). وتأكيداً لذلك أقام عشرون فناناً وفنانة في الإسكندرية معرضاً تأبينياً لضحايا ثورة الغضب المصرية امتازت جميع لوحاته بنكهة ذات مذاق خاص ومتفرد تختلط فيها الأحاسيس بالألوان دافئة وباردة، نبيلة متفجرة، غاضبة، حزينة، مندهشة، مدارس فنية مختلفة، تقنيات فنية متباينة ما بين الفطرية والأكاديمية، أدوات فنية تشكيلية أو إلكترونية، اجتمعت كلها في لوحات معرض ضحايا ثورة الغضب. فاصطفت لوحات الفنانين لتجسد حالات نفسية وإنسانية. أعمال تشكيلية ببصمات الإنسان البناءة والهدامة بألوان متعددة وأشكال وتناقضات غير متناهية. زحمة هائلة من الأفكار والتساؤلات وحكايات تضافرت بنبض الشباب ودماء الشهداء.
تضمن المعرض عددا من اللوحات التي عبرت عن الثورة، إما بكتابات أو بخطوط غليظة تحتضنها ألوان كثيفة من سكينة معجون اختلف حجمها وضرباتها من مكان إلى آخر. وظهرت لوحات أخرى مزيّنة بالعلم المصري يحتضن صور بعض الشهداء وكلمات تأبينية حزينة. آخرون اكتفوا بطباعة صور الشهداء إلكترونياً ولصقها على الجدران أو تجميعها على لوحات كرتونية. بعض الفنانين اشتركوا في طباعة صور أكثر من خمسين شهيداً على العلم المصري بألوانه الثلاثة الأحمر والأبيض والأسود وامتدت اللوحة ليصل طولها إلى أكثر من ستة أمتار بعرض الشارع.
أما في القاهرة فقد تحول ميدان عبد المنعم رياض إلى ورشة عمل متواصل أبرزت دور الفن التشكيلي في الثورة، حيث أسهم عدد كبير من الشباب والفنانين بإعداد الملصقات السياسية ورسوم الكاريكاتير، والتعبير عن مطالب ثورة 25 كانون الثاني ( يناير) بلغة تشكيلية شديدة الخصوصية. فقد تنافس كثير من الفنانين المصريين المبدعين في تقديم مشاريعهم المؤيدة للثورة والمعبرة عنها بروح تضامنية كالفنان رضا عبد الرحمن والفنان محمد عبلة والفنان سامي البلشي والفنان وحيد البلقاسي والفنان أيمن السمري وفنان الغرانيوليت وفيق المنذر والناقد والفنان عز الدين نجيب الذي قال ‘لو أخذنا عن هؤلاء الشباب هذا التعبير الصادق سنخلق حداثة من نوع جديد غير تلك التى شهدناها فى السنوات الأخيرة’. وأكد أنه سيظل يتابع إبداع الشباب وحريته من خلال تواجده بينهم بصفة يومية ليحفر بذلك فى ذاكرته كل مشهد حتى يتسنى له رسم لوحة تشكيلية تخليداً للفترة الحالية وما تشهدها من تطورات. ويقوم بمشاركة مجموعة من شباب الفنانين في ورشة عمل في ساقية الصاوي لترجمة طموحاتهم بالألوان على الورق مصحوبة بنصوص لمطالب الثورة بهدف وشج المضمون الفكري السياسي بالمضمون الفني وتفعيل مبادئ الثورة من خلال الفن التشكيلي وذلك لتوثيق التفاعل الفني مع أحداث الثورة بطريقة أكثر عمقا وسعيا لتعزيز دور الشباب المصري وما يملكه من فكر وطاقات سطر بها تاريخنا الوطني الحديث، الشباب الذي استطاع أن يقدم للعالم بطاقة تعريف جديدة لهذا الوطن.
ظواهر كثيرة تحتاج وقفات مطولة ولا شك في أن الفن التشكيلي سيقتحمها للتعبير عنها ورصدها وسنحاول دراستها في مقالات لاحقة إن شاء الله.
Doaa-kandeel81@yahoo.com

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s