ملاحظة

المعارضة الليبية بين شرعية حركتها ولا شرعية استنجادها بالغرب / ابو علي حسن

المعارضة الليبية بين شرعية حركتها ولا شرعية استنجادها بالغرب / ابو علي حسن

التاريخ: 1432-4-16 هـ الموافق: 2011-03-21 04:27:58

مع انتصار الثورتين التونسية والمصرية كان المشهد دراماتيكياً في أحداثه ومساره وتداعياته, حيث تسمر المواطن العربي أمام المحطات الفضائية ليرى على من ستدور الدائرة..! وإلى أين ستهب رياح التغيير, إلا أن عاصفة قوية فاجأت المواطن العربي حين ضربت نظاماً عربياً لم يكن مرشحاً قبل غيره بالسرعة التي حدثت, حيث كانت الأنظار متجهة إلى غير النظام الليبي.

فقد أطاحت المعارضة الليبية في أقل من 48 ساعة بمدينة “بنغازي”…المدينة الثانية من حيث الوزن والأهمية والسكان..وبدت المعارضة كما لو أنها في أحسن حالاتها..حيث سقطت أكثر من مدينة في قبضتها, قبل أن يلمع السلاح في يدها.

وفي المقابل ظهر القذافي في أضعف حالاته..وأكثر توتراً..وأقل اتزاناً..وأبعد ما يكون عن استيعاب الدروس..وسقط في امتحان الحكمة والسياسة والكياسة..وأشبع معارضيه وشعبه بالشتائم..وعظائم الأمور..وأقسم على الانتقام في كل شارع وزنقة..مما أفقده رأياً عاماً محلياً وعربياً ودلياً.

إلى هنا كانت الأمور تسير بشكل طبيعي لمسار الحركة الشعبية الليبية..إلى أن بدأ التوظيف الإعلامي المكثف والمنحاز يأخذ أبعاداً تخيلية..وأكاذيب وفبركات سياسية وميدانية..وانتصارات وهمية..وظهر أن انتصار الثورة الليبية قاب قوسين أو أدنى..وأن طرابلس على خط السقوط في يد الثوار…وفي مقابل ذلك كان التوظيف والضخ الإعلامي ضد القذافي يأخذ منحاً تحريضياً واضحاً..عبر الحديث عن المجازر والحرائق التي تفوق التصور..والإبادة البشرية..والدعوات إلى إنقاذ ليبيا من نيرونها القذافي.

وهنا أصبح الإعلام الموجه له أجندته الخاصة..التي تخدم سياسات إقليمية ودولية..لقد سقطت المعارضة الليبية في الامتحان الثوري..حين فشلت في توظيف دروس ثورتي ومصر وتونس في الميدان..برغم الخصوصية الليبية كنظام ومعارضة ودولة.

سقطت حين أعلنت عن انتصارات وهمية..وحين أعلنت عن نفسها بديلاً عن النظام والدولة بكل مكوناتها…قبل انتصارها الناجز..فأعلنت ورفعت علماً خاصاً بها..”كان علم ليبيا في عهد أدريس السنوسي”..وشكلت مجلساً انتقالياً مؤقتاً…وأعلن عدداً من السفراء والدبلوماسيين استقالاتهم وانضمامهم للثورة الليبية…وأعلن عدداً من العسكريين تمردهم وانفصالهم عن الجيش..وبدا المشهد انقلاباً سياسياً وعسكرياً بامتياز..وليس حركة شعبية احتجاجية سلمية ضد النظام..وبدأت المعارضة تبحث عن الاعتراف بها بديلاً عن النظام القائم..ووجدت المعارضة ضالتها في فرنسا التي بادرت بالاعتراف بها فوراً…وسارعت المعارضة الليبية إلى طمأنة الغرب بشأن النفط واستمرارية العقود..كما لو أنها تريد أن تستجدي الغرب وتحل مكان الدولة.

وفي زمن قصير تغير المشهد الشعبي الذي رأيناه في الساعات والأيام الأولى ليحل مكانه مشهداً فيه السلاح والرصاص والدبابات المستولى عليها وحتى الطائرات..والرجال الثوار المرتزقين والمتوشحين بأحزمة الرصاص.

لقد كان مشهداً جديداً ونقيضاً لمشهد الثورة التونسية والمصرية..حيث كان هدف الثورتين إسقاط النظام سلمياً..بقوة الدفع الجماهيري..ووقع الإرادة الشعبية..وليس بقوة السلاح..أما في ليبيا فالمعارضة ضيقت على نفسها حدود المناورة واللعبة السياسية مع النظام الذي أراد منذ البداية أن يواجهها بالسلاح..فلجأت إلى قوة السلاح وسقطت أمام ما أراده القذافي…فأصبحت أسيرة لعبته وتكتيكته دون أن تدري.

ولم تحسب جيداً ما يملكه النظام من قوة السلاح والعتاد والجيش والسلطة..حيث اعتقدت أن الجيش سينقسم ويتفتت وينتهي دوره…في حين كان عليها أن تستميل الجيش أو تحيده…ليكون لاحقاً إلى جانبها كما كان جيش مصر وتونس…مع الأخذ بعين الاعتبار أن هناك خصوصية لتركيبة الجيش في ليبيا غير خصوصية الجيش المصري والتونسي..كيف يمكن أن يكون الجيش إلى جانب المعارضة الثورية وهي تطلق النار عليه ولو دفاعاً عن نفسها..!! فقد أطلق رجال الأمن والشرطة التونسية والمصرية النار على المتظاهرين..وسقط مئات الشهداء..لكن الحركة الشعبية كان ناظمها الشعار السلمي..ورائدها الإطاحة بالنظام..وليس الإطاحة بالدولة..فكسبت الجيش إلى جانبها وتحول من الحياد إلى حامي للثورة الشعبية.

لقد خسرت المعارضة الليبية منذ البداية حياد الجيش حين حملت السلاح وحين كان هدفها الإطاحة بالنظام والدولة معاً..بل أرهقت نفسها وأرهقت معها الجماهير المؤيدة لها…وأصبحت معركتها تحرير مدن وليس تحشيد الشعب..إن هذا الوضع قد أوصلها إلى أن تواجه المأزق وجهاً لوجه حيث تداعى الخطأ ليصنع أخطاء أخرى..فأقدمت على طلب الحماية من بطش القذافي ونظامه..وطلبت التدخل الدولي بحجة “حماية المدنيين” وطالبت بالاعتراف بها..وهنا نقلت معركتها مع النظام من المستوى المحلي والشعبي إلى الإطار الخارجي والدولي والعربي..وبدت كما لو أنها تستعين بالغرب ومجلس الأمن والجامعة العربية على النظام الليبي..وهذا قد يكون سببا في مقتلها في المستقبل حتى لو انتصرت بعصا الغرب.

وثمة أخطاء أخرى..رافقت هذا التداعي وأوقعت المعارضة الليبية في الشبهه والمأزق..وهي أن جامعة الدول العربية قد وقعت في الخطأ التاريخي عندما وجدت أن سلاحها ليس في يدها إنما في يد مجلس الأمن..فوجهت له دعوة التدخل وأجازت الحظر الدولي على ليبيا..!! لقد تمخض الجبل فولد فأراً…العجز لا يولد عجزاً فحسب إنما يولد طلباً للاستعمار…!!! لعلها السقطة الأشنع في تاريخ الجامعة العربية التي تشكلت لأجل الدفاع عن الحياض العربي..لتتحول إلى مستقدم للاستعمار تحت مسميات مجلس الأمن وحماية المدنيين…ولم تكلف نفسها أن تفكر كيف تحمي المدنيين بقوات عربية خالصة…وبسلاح عربي وإرادة عربية…لكنها لجأت إلى صيغة التوافق على الخطأ وضرب السيادة الليبية التي قد تنتهك لعشرات السنين بعد أن أصدر مجلس الأمن قراره المشؤوم بفرض الحظر الجوي..وإجازة الضربات العسكرية..ولاحقاَ بعد أن ضربت البوارج والطائرات الغربية والأمريكية الأرض الليبية والإنسان الليبي سواء أكان موالياً أو معارضاً…ولن تقف الأمور عند هذا الحد من التدخل..إنما سوف يتحول هذا التدخل إلى عملية ابتزاز وتوظيف ونهب لخيرات ليبيا على حساب شعبها الذي يدفع دماؤه ثمناً لحريته اليوم.

الجامعة العربية لم تستطع أن تفرق بين النظام الليبي وبين سيادة الدولة الليبية..!! إنها سابقة سوف يبنى عليها غداً على دول عربية أخرى بطلب أو بدون طلب الجامعة العربية وبدون مجلس الأمن, لقد خانت الجامعة العربية ميثاقها..وعروبتها..وتحولت إلى عبء على الأمة لا حامياً لها.

واليوم تحولت معركة القذافي ونظامه ليس ضد المعارضة الليبية ومطالبها المشروعة في الحرية والكرامة والعدل والمساواة..إنما ضد الغرب وعملاؤه…أليس هذا مشهداً لم يكن ينتظره المواطن العربي التواق إلى التغيير..أليس هذا مشهداً قد أضر بالحركة الشعبية الليبية وشوه غاياتها وأهدافها النبيلة…وأفقدها بريقها ونقاؤها الثوري.

الم يحول هذا المشهد القذافي ونظامه إلى ضحية المؤامرة والعدوان الأمريكي والغربي وليس ضحية نظامه الاستبدادي والآيل إلى السقوط أصلاً.

ثمة مشهد عربي قادم…فنحن في قلب الأعاجيب…انتظروا

· عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s